تناول الجزء الأول من هذا العمل للآن أمران مهمان: تطرق أولهما الى عواقب التأثير الحاصل على الفرد المثلي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية نتيجة لجهلنا عن فهم المثلية الجنسية فهما إيجابيا صحيحا وكانت قصة حياتي مثالا عينياً على ذلك، وقمت أيضاً من خلاله الى التنويه السريع لطبيعة صراعنا العربي الإسلامي مع المثلية الجنسية وما الذي علينا فعله للإصلاح (الوحدة الأولى)؛ وتطرق ثانيهما الى تحليل سريع الى العوامل التي أدت الى ذلك الجهل وتثبيته في أوساطنا العربية والإسلامية (الوحدة الثانية). ولأن هذا الجزء الأول يهدف الى وضع البنية التحتية لسائر الكتاب، فلا بد أيضا من التطرق الى بعض المفاهيم الأساسية التي تشكل العمود الفقري الذي يتركز عليه سائر هذا العمل وتعريفها، لأنها حجارة الأساس أو القواعد الرئيسية التي ستنتصب عليها الفتوى الشرعية المنتظرة في تحليل المثلية الجنسية. فعند تحدثي عن وجوب التحليل الشرعي في قضية المثلية الجنسية، فإن هذا المنظور يتكئ بشكل كلي على المعنى الذي أقصده بالمثلية الجنسية (حجر الأساس الأول)، وعلى مصادر التشريع الإسلامي التي سأستخدمها للحث على هذا التحليل وأولويتها بالتشريع (حجر الأساس الثاني)، وعلى المنهج العلمي الصحيح في طلب المعرفة والوصول إليها (حجر الأساس الثالث).
فما الذي أعنيه بقواعد أو حجارة الأساس هذه؟ هذا ما سأبينه هنا في هذا الجزء وسأقوم بوضعها وتمكينها حجرا حجرا لكي نتمكن من البناء عليها لاحقا في الكتاب.
قاعدة الأساس الأولى: ما المعنى المراد من مفهوم المثلية الجنسية؟
سألقي الضوء على المعنى المراد في "المثلية الجنسية" عن طريق طرح وإجابة لبعض الأسئلة المتعلقة بهذا المصطلح ومن ثم سأتطرق الى توضيح لبعض العلاقات النسبية بين المثلية الجنسية وبين ما ندركه من مصطلحات ومفاهيم جنسية أخرى. ما أعنيه بالمثلية الجنسية هنا هو أمر جذري لكل شيء ذو علاقة بهذا العمل ولكل الأهداف التي يطمح لاحقا إلى تحقيقها.
ما هو المفهوم الحالي للمثلية الجنسية؟
مفهومنا الحالي للمثلية الجنسية في أوساطنا العربية والإسلامية هو متعلق بشكل مباشر بما نعيه من فهم للعلاقات الجنسية بين الأشخاص الذين ينتمون للجنس البيولوجي الواحد، كالعلاقات الجنسية بين الذكر والذكر أو الأنثى والأنثى، على أنها علاقات "اختيارية" خارجة عن الفطرة الخلقية، أو المبدأ الذي يؤمن ويقر بالشمول المطلق لظاهرة المغايرة الجنسية بين مخلوقات الله في المملكة الحيوانية لما تتطلبه الحياة من تناسل وتكاثر، وبناءً على ذلك فهذه العلاقات المثلية هي علاقات عقيمة، منبوذة ومحرمة. هي نفسها العلاقات التي نطلق عليها بعبارات اللواط والسحاق أو السدومية (كما يفضل البعض بتلقيبها نسبة لقرية سدوم التي بُعث إليها سيدنا لوط عليه السلام، لما تعتريه كلمة لواط من شذوذ وفسوق مُلوث لاسم النبي). ويقر البعض أن هذه "الاختيارات" لها تأثيرات مرضية على الشخص الذي يختار فعلها كما هو منقول في كتاب فقه السنة الذي تحدثت عنه في الوحدة السابقة والذي هو منقول عن كتاب الإسلام والطب، ويأخذ البعض وهم أقلية كما وضحت أيضاً في الوحدة السابقة، هذه العلاقات الجنسية بين أفراد الجنس البيولوجي المماثل إلى مفهوم بيولوجي خارج عن مفهوم "الاختيار"، إذ يلقبونها "باضطرابات" فطرية بيولوجية مرضية وغير قابلة للعلاج ، بمحاولة منهم للتوفيق بين مفهومهم الديني الحالي حول هذا الموضوع وبين الأدلة العلمية الحديثة التي يصعب رفضها. المهم هنا هو أن "المثلية الجنسية" في مفهوم الأغلبية في أوساطنا العربية والإسلامية، أو ما يسموه باللواط والسحاق أو السدومية، هو إما أنها "اختيار" قبيح أو أنها "مرض" نفسي أو اضطراب فطري بيولوجي [الرسم البياني رقم ١].
أما عن رأي العامة المحافظة حول استخدام "المثلية الجنسية" كمصطلح مبادل، للسدومية او اللواط والسحاق، فهو رأي متصف بالرفض الجذري، لأن مصطلح "المثلية الجنسية" هو اختيار أو مرض وبدعة قام بحيكها المفسدين الذين يسعون مثابرين على دأب مشين للفساد، من غير كلل ولا ملل، وذلك في محاولة منهم "لاستحسان" الرذيلة وتطبيعها، وإنه لأثر من أثار التغريب الحاصل على شبابنا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وتأثرهم بالثقافات الغربية وغيرها. فالمثلية الجنسية إذن هي تعبير مستحدث ووسيلة لتطبيع القاذورات الجنسية الغير فطرية بين أفراد الجنس البيولوجي الواحد، هو نفسه الذي نعنيه باللواط والسحاق أو السدومية ولكنه لقب مستحدث في هدفه التطبيع والتضليل.
ما هو المفهوم الصحيح للمثلية الجنسية؟
المثلية الجنسية هي نمط خلقي وظاهرة طبيعية بيولوجية من صنع الله وإرادته والتي أبدعها في كثير من خلقه. هي الظاهرة الجنسية والعاطفية والحياتية التي أوجدها الله في الطبيعة من خلقه وتتصف بميول جنسي بين بعض أفراد الجنس البيولوجي الواحد وجنسهم المماثل، كاشتهاء جنسي فطري بين الإناث والإناث أو الذكور والذكور. هذا النمط الحياتي المثلي هو نمط أوجده الله تعالى في الإنسان وفي غيره من مئات التنوعات أو الأصناف الحيوانية. المثلية الجنسية ليست اختيارا يقرره الأشخاص أو الأفراد وهي ليست مرضا، اضطرابا فطريا، شذوذا أو انحرافا، بالنفس الطريقة التي لا نعتبر فيها المغايرة الجنسية على أنها اختيار، مرض، فسوق أو اضطراب. هي ليست ظاهرة عقيمة ولو أنها كانت كذلك لانقرضت منذ ألاف السنين. هي ظاهرة تنقسم إلى عدة أنواع ، فأما عن طبيعة هذه الطبيعة الجنسية وأنواعها فسأقوم بتفسير مفصل لذلك في الجزء العلمي من هذا العمل.
هذا التعريف للمثلية الجنسية، على أنها طبيعة فطرية أزلية شرعها الله في كثير من خلقه، لا تتصف بالعقم وليست بالمرض، أو الاضطراب أو الفسوق أو الانحلال، هي الظاهرة التي يسعى هذا العمل إلى الحث على وجوب تحليلها. هي ظاهرة لا بد للشريعة الإسلامية من الاعتراف بها وحمايتها وإنصافها والإحتفال بها لأن ذلك هو إرادة الله الحتمية في الكثير من عباده، ولله في خلقه شؤون.
ما الفرق بين المثلية الجنسية واللواط/السحاق (السدومية)؟
الفرق الرئيسي بين [المثلية الجنسية] و[اللواط والسحاق أو السدومية] هو أن الأولى هي ظاهرة جنسية طبيعية وخلق حياتي من إرادة ومشيئة الله وليست باختيار الشخص أو بشذوذ وانحراف أو بمرض بيولوجي ونفسي أو باضطراب فطري، والثانية هي فعل جنسي اختياري يقوم بفعله البعض خارجا عن الشريعة الإسلامية وقد يكون هذا الإختيار السدومي خارجا عن فطرة البعض، أو ما سألقبه بسدومية غير فطرية (عندما يقدم على فعله مغايري الجنس)، وقد لا يكون خارجا عن فطرة البعض الأخر أو ما سألقبه بسدومية فطرية (عندما يقدم على فعله مثليي الجنس). ما الذي أعنيه بسدومية فطرية وسدومية غير فطرية؟ وهل هذه هي تعابير مناسبة؟ هذا ما سأوضحه بتفصيل أكثر في الفقرات التالية.
هناك أيضاً فرقا آخراً يميزالمثلية الجنسية عن اللواط والسحاق أو السدومية وهو أنه المثلية الجنسية هي ظاهرة غير معترف بها في أوساطنا العربية والإسلامية كما هو معترف بغيرها (كالمغايرة الجنسية)، ولا مكان لها في مفاهيمنا الثقافية والدينية، وهي ظاهرة غير موجودة بتفرد واستقلالية عن مفهوم اللواط والسحاق بل متشابكة بهما، وهذا بلا شك أدى الى تعقيد فهمها وتحليلها.
ما هي السدومية الغير فطرية؟
اللواط والسحاق أو السدومية بشكل عام، كما نعيهم ونفهمهم، هم للأكثرية "إختيارات" يقوم بها المغايرين الجنسين خارجا عن فطرتهم ورغما عن ميولهم الجنسي للجنس البيولوجي الآخر. يقوم هؤلاء الأشخاص من مغايري الجنس بتلك الأعمال السدومية لعصيان منهم لله وأوامره، أو لعدم توفر المنفذ الجنسي لهم مع الجنس الآخر من حولهم، لظروف وأحكام تسنها عليهم مجتمعاتهم المحافظة أو غيرها، أو لوجودهم في عزلة عن الجنس الآخر، ككونهم في سجن غير مختلط، أو لغيره من الأسباب. المهم هو أن هذه الأعمال الشائنة هي أعمال يقوم الإنسان المغاير باختيارها "رغما" عن برمجته الجنسية لاشتهاء بني جنسه الآخر، وهذا ما أعنيه بالسدومية الغير فطرية، أو ما هو شائع عن المفهوم العام لمصطلح اللواط والسحاق والمنبثق من الإيمان بعدم وجود ظاهرة جنسية فطرية مثلية، فلا فطرة في السدومية. لأن الفطرة الجنسية "المتوحدة الوجود" في هذا الكون لجميع مخلوقات الله الحيوانية، كما تعيها وتعهدها الأغلبية، هي بالميول الجنسي المغاير بين الأشخاص أو الأفراد، وهي سنة الله في خلقه والطريقة الوحيدة التي استودعها الله لاستمرار الحياة على هذه الأرض، وخاصة لاستخلاف الإنسان فيها. ومن هذا المنطلق إذن، فإن كل الناس هم مغايري الجنس في خاصيتهم الجنسية الفطرية وأن هناك طريق جنسي شرعي وحيد أمامهم ألا وهو بالزواج الشرعي المغاير [الرسم البياني رقم ١]. ولكن البعض يختار أن يقوم بالممارسات الجنسية مع الجنس الآخر وخارجا عن الحلال والذي نسميه بالزنى، والبعض يختار الممارسات الجنسية مع غيره من نفس الجنس البيولوجي وخارجا عن فطرته وعن الحلال والذي نسميه باللواط (السدومية الغير فطرية). فكلا من الزنى واللواط هنا هما اختيارات محرمة يقوم بها مغايري الجنس، وكلاهما حرام، ولكن الفرق أن الزنى هو ناتج عن طبيعة جنسية فطرية وأن اللواط ناتج عن اختيارات محرمة غير فطرية.
قد يكون هناك أشخاص مغايري الجنس ينتمون بالفعل لفئة السدومية الغير فطرية، أي أنهم حقاً مغايري الجنس إلا أنهم يقوموا بالأفعال الجنسية مع جنسهم البيولوجي المماثل لأن هذا هو كل ما هو متوفر لهم، أو لأسباب عصيانية أخرى. كم عدد هؤلاء الأشخاص ونسبت وجودهم، لا أعلم بالتحديد، ولكن لا بد أن يكون عددهم ونسبتهم قليلة نسبيا ومعتمدة على الظروف المحيطية بالشخص. لأنه في غالب أحوالنا ومحيطاتنا، ومع كل محافظتنا وحرصنا على أن لا تحدث هذه الأمور، إلا أن الباب ما يزال مفتوحا وواسعا للعمل الجنسي بين الجنس والجنس المغاير له وخارجا عن الإطار الشرعي لمن أراد ذلك، وبناء على ذلك، فلا يوجد سبب مقنع لمغايري الجنس بالوقوع في هذه الأعمال الجنسية مع بني جنسهم البيولوجي، بكل ما تحويه الفكرة من اشمئزاز فطري لهم، إذا كان بإمكانهم أن يفعلوه مع الجنس المغاير والذي تتطلبه طبيعتهم (إلا كمنفذ أخير وفي حالة عدم توفر ذلك، كالتواجد في السجن الغير مختلط وغيره وعدم صبرهم على أن لا يمارسوا الجنس). ولكنني سأفترض هنا، بل سأقر وإياكم، أن هناك أناس يقومون بالأفعال الجنسية مع بني جنسهم المماثل رغما عن فطرتهم المغايرة (السدومية الغير فطرية)، ولكنهم ليسو قضيتي وليسوا من الذين أدافع عنهم.
العلاقة النسبية بين المغايرة الجنسية واللواط/السحاق
أخبرتكم أن مفهوم المثلية الجنسية هو مفهوم غير موجود كمفهوم مستقل في أوساطنا وإذا حاولت أن تضعها في مكانها الصحيح والمناسب مع العلاقات الجنسية التي تناظرها أو تتناسب معها من ناحية القياس العقلي والعلمي واللغوي، كما نستطيع أن نفعل ذلك في اللغة الإنجليزية مثلا، تجد أنه لا مكان لها كمفهوم مستقل عن مفهوم اللواط/السحاق أو السدومية الغير فطرية! فما ندركه هو ثلاثة مصنفات جنسية فقط، المغايرة الجنسية، وهي الطبيعة الفطرية في كل البشر والتي يمارسها الإنسان في ضمن المنظور الشرعي فقط، والزنى، وهو الممارسة الجنسية المغايرة الإختيارية خارجا عن المنظور الشرعي ولكنها لا تزال ممارسات جنسية في ضمن الفطرة، واللواط والسحاق أو السدومية الغير فطرية، وهي الممارسات الجنسية الإختيارية من أي نوع بين الجنس البيولوجي ومثيله وهي ليست في ضمن الفطرة ولا مكان لها في المنظور الشرعي إلا من باب الترهيب والعقاب. فالمغايرة الجنسية هي الأصل أو المصدر الجنسي المبرمج في المخلوقات (الظاهرة الطبيعية المتوحدة الوجود في الغريزة الجنسية) والزنى واللواط هما فعلين جنسيين إختياريين خارجين عن النطاق الشرعي (ظواهر جنسية اختيارية مشتقة من الأصل أو المصدرالجنسي)، أحدهما هو فعل طبيعي في ضمن الفطرة ولكنه محرم لخروجة عن القوانين الشرعية التي تحكم المسلمين (الزنى)، والأخر هو فعل غير طبيعي وخارجا عن الفطرة والشرع (اللواط) [الرسم البياني رقم ١]. وبناء على ذلك، فاللغز الذي طرحته في [الرسم البياني رقم ٢]، والمركب على شكل سؤال من أسئلة الذكاء في المقارنة، لا يحمل أي وزن هنا (فالعلاقة النسبية تتطلب أربعة ظواهر للمقارنة، أصلين [أو مصدرين] ومشتقتين [أو فرعين]، بطريقة تجعلنا قادرين على إيجاد علاقة نسبية تربط الأصل الأول بالمشتقة الأولى مع الأصل الثاني بالمشتقة الثانية، ولذلك فإن لدينا أربعة فراغات). فعلى سبيل المثال. نقول أن الماء بالنسبة للإنسان الحي هو كالمحروقات البترولية بالنسبة للسيارات التي تسير على المحروقات البترولية. لدينا في هذا المثال أصليين للمقارنة، الماء والمحروقات البترولية، وفرعين أخرين، الإنسان الحي والسيارات. فما العلاقة التي تربط الإنسان الحي بالسيارات البترولية الغير حية في هذا المثال؟ هي علاقة نسبية، إذ أن حياة الإنسان غير ممكنة من دون ماء، بنفس الطريقة التي تجعل السيارة البترولية عقيمة من دون محروقات بترولية.
ما هو موجود لنا في مفهومنا الحالي عن الفطرة الجنسية هو ثلاثة ظواهرفقط، منها أصل أو مصدر واحد (المغايرة الجنسية) وفرعين أو مشتقتين اثنتين (الزنى واللواط). تخيل مثلا أن مثال الماء والبترول أعلاه كان ينقصه المحروقات البترولية بطريقة يكون لدينا فيها مصدرا واحدا فقط (الماء) ومشتقتين اثنتين (الإنسان الحي والسيارات). هل تستطيع أن توجد العلاقة النسبية بين هذه الثلاثة؟ إذا حاولت فستكون كالأتي: الماء بالنسبة للإنسان الحي هو كالماء بالنسبة للسيارات. هذه العلاقة بشكل أكيد هي غير صحيحة ولا تقبلها مسامعنا لأن السيارات البترولية لا تسير على الماء، وينقصها المصدر الرابع لكي تكون علاقة موزونة قيمة (المحروقات البترولية). ما السبب؟ لأن الماء والبترول ومع أنهم يشتركون في الوظيفة العملية في هذا المثال (مقومات أساسية للحركة والحياة) الإ أنهم على اختلاف جذري في طبيعتهم، فلا الماء يصلح لتسيير السيارات البترولية ولا البترول يصلح للحياة كبديل عن الماء.
دعونا الأن وبنفس الطريقة أن نجد العلاقة النسبية الجنسية بين الظواهر الجنسية الثلاثة التي نعهدها (المغايرة الجنسية والزنى واللواط/السحاق)، ما رأيك، هل نستطيع؟ إذا حاولنا أن نستنتج العلاقة النسبية وأن نملئ الفراغات الأربعة بناءً على مفهومنا الحالي الذي يرفض الطبيعة المثلية، فإن صياغة العلاقة النسبية سيظهر على الشكل الآتي: الاختيارات الجنسية المغايرة الخارجة عن نطاق الزوجية (الزنا) بالنسبة للمغايرة الجنسية هي كالعلاقات الجنسية المثلية بكل أنواعها بالنسبة للمغايرة الجنسية. أو بشكل مختصر أكثر، الزنا بالنسبة للمغايرة الجنسية هو كاللواط بالنسبة للمغايرة الجنسية. هذا بالطبع يشكل مشكلة لأن الزنا واللواط هما مفهومين على اختلاف جذري من بعضهما، فالزنا في مفهومنا ما يزال أمرا في ضمن الفطرة الجنسية المغايرة عند الإنسان الا أنه ممنوع شرعيا، ولكن اللواط في مفهومنا هو ليس فقط ممنوع شرعيا بل أيضاً خارجا عن الفطرة في المغايرة الجنسية (فكيف لنا إذا أن ننسبه الى المغايرة الجنسية "الفطرية" بنفس الطريقة التي ننسب الزنا اليها؟ كيف لنا أن ننسب الماء للسيارات بنفس الطريقة التي ننسب بها الماء للإنسان؟). وبناء على ذلك، فالعلاقة النسبية للزنى واللواط لا يمكن أن تؤدي الى نفس المصدر(المغايرة الجنسية) ولإتمام الوزن والقياس العقلي لهذه العلاقة النسبية ولكي تكون العلاقة متساوية وقيّمة فنحن بحاجة الى مفهوم رابع آخر. نحن بحاجة الى مفهوم لا يتناسب فقط مع مفهوم المغايرة الجنسية والزنا، بل أيضاً مع مفهوم "اللواط والسحاق". إن هناك لثمة مفهوم من شأنه أن يحل هذا اللغز، ألا وهو مفهوم المثلية الجنسية الذي لطالما كان مفقودا في فهمنا وثقافاتنا. في هذه الحالة، المغايرة الجنسية والمثلية الجنسية هما في نفس المرتبة (المصدر أو الأصل) إذ أنهم يشتركان في المعنى على أنهم ظواهر جنسية فطرية يمتلكها الأفراد، والزنا واللواط هما أيضاً في نفس المرتبة إذ أنهم يشتركان في المعنى على أنهم أفعال اختيارية يقوم البعض باختيارها رغما عن طبيعتهم المغايرة في حالة الزنا أو رغما عن طبيعتهم المثلية في حالة اللواط، وهذا يُمكننا من أن نناسبهم ببعضهم بشكل متوازن. وبهذا، فإن العلاقة بين المغايرة الجنسية (الأصل الأول) بالنسبة للزنى (المشتقة الأولى) هي كالعلاقة بين المثلية الجنسية (المصدر الثاني) بالنسبة للواط/السحاق (المشتقة الثانية). فالمغايرة الجنسية بالنسبة للزنا هي كالمثلية الجنسية بالنسبة للواط/السحاق (هذا هو تفسير اللغز الذي طرحته في الشكل البياني رقم ٢).
ولكن كما سأوضح في الفقرات القادمة، ومع أن هذه العلاقة النسبية الأخيرة هي علاقة أكثر اتزانا وعقلانية لتبيين العلاقة بين المغايرة الجنسية والمثلية الجنسية والزنا واللواط/السحاق، إلا أنها علاقة غير مؤهلة لوصف الحقيقة.
وداعا للمفردات الآتية: اللواط، السحاق، والسدومية
الذي كان "من المفترض" أن نعنيه عندما نتحدث عن اللوطيين والسحاقيات، هو أولئك المغايريين الجنسيين الذين يقومون باختيار عمل اللواط وبمخالفة عن فطرتهم (السدوميين على غير فطرة) لأسباب أوضحتها أعلاه، وليس عن أولئك الذين خلقهم الله ليكونوا مثليي الجنس، وهذا ليس الواقع، إذ أن هذه التعابير نطلقها على كل ما هو متعلق بالمثلية الجنسية من غير التفريق بين أنواعها (لأن كل الأفعال السدومية هي سواء بمنظورنا وغير فطرية). ولكن حتى استخدامي لعبارة "من المفترض" في الجملة السابقة هي عبارة غير دقيقة لأن استخدامنا لكلمة لواط، سحاق، أوسدوميين، هو استخدام لا يجب علينا القيام به على وجه الإطلاق، إلا فقط للإشارة الى التاريخ اللغوي لاستخدامها وتطورها وما كان مقصودا منها، كقولنا مثلا أن العرب استخدموا هذه الكلمات في الماضي للإشارة الى المثلية الجنسية. أما بشكل حضاري في هذا الوقت، فإنه يجب علينا أن نحذفها بشكل كلي عند الإشارة الى أي ظاهرة أو فعل جنسي، وعلينا أن تستبدلها بعبارات دقيقة وأكثر عقلانية وحساسية بالموضوع وهذا ما سأفعله في الفقرات التالية.
أنا أقررت وإياكم بظاهرة "الإختيار" للقيام بالأعمال الجنسية المثلية عند "البعض" رغما عن ميولهم الفطري المغاير وبوجود هذه الظاهرة، ولكني لن أسميها لواطا أو سحاقا أو سدومية غير فطرية بل سأسميها إسما أخر. لن أسميها "لواطا" بين الذكور، لأن هذه الكلمة مليئة بالإساءة ليس فقط لسيدنا لوط عليه السلام، بل أيضاً للمثليين الجنسيين (الذين فطرتهم هي مثلية) لما تعتريه من إهانة وشوائب ولما حمّلناها من معان تشير الى اعتداءات جنسية على الأطفال ومن ممارسات جنسية مع الدواب، وغيرها من الخساسة في مفاهيمنا الثقافية. كلمة لواط أيضاً هي كلمة مأخوذة عن اسم سيدنا لوط ولا تشير بدقة الى المعنى المراد من استخدامها، فلم يستخدمها الله بالإشارة الى الأفعال الجنسية المثلية في القران ولم يستخدمها نبيه في الصحيح من سنته. ولن أسميها "سحاقا" بين الإناث لأن كلمة سحاق هي أيضاً كلمة تسيء للمثليات جنسيا (اللواتي هن على فطرة جنسية مثلية) ولما ربطناها في المعنى مع الرذيلة، وهي أيضا كلمة لم يذكرها الله في القران ولم يستخدمها النبي في الصحيح من سنته. ولن أسميها "سدومية" لفقر المعنى المراد من تلك الكلمة والعجز عن الدلالة الصحيحة لها كظاهرة علمية فطرية وغيره. فالاقتراح باستخدام كلمة سدومية للإشارة الى الأفعال الجنسية بين بني الجنس البيولوجي ونفسه هو محاولة فاشلة لحفظ اسم سيدنا لوط عليه السلام من التلوث، وللإشارة الى عمل قوم قرية سدوم التي أرسل لها سيدنا لوط عليه السلام. إذ أن أهل سدوم لم "يسبقهم" بهذا الفعل أحد من العالمين، فتُرجم كلام الله في القران الكريم الى الدلالة على أنهم أول من قام بهذه الأفعال الجنسية المثلية في التاريخ البشري. وبناء على ذلك فإن البعض يفضل الإشارة لهذا الفعل باسم قريتهم بدلا من اسم سيدنا لوط عليه السلام. ولكن، عمل قوم سيدنا لوط لم يكن مقتصرا على "اللواط" بل ذكر الله عدة من أفعال أخرى كانوا يقترفونها ولم تكن لها علاقة بالجنس، بالإضافة الى أنهم لم يكونوا السباقين لهذا العمل كما سأشير اليه لاحقا وسأدلل على ذلك أيضاً من القرأن. إذا، ما هو الإسم المرادف لكلمة لواط، سحاق، أو سدومية الذي أقترحه وسأقوم باستخدامه؟
السدومية الفطرية واستخدام تعبير "الزنى المثلي" كبديل للواط/السحاق/السدومية
الإسم الذي سأسمي فيه الأشخاص المغايرين الذين يقترفون الأفعال الجنسية مع بني جنسهم البيولوجي وخارجا عن فطرتهم (والذي أشرت له باسم السدومية الغير فطرية في الفقرات السابقة لأنه مع نفس جنسهم البيولوجي وخارجا عن فطرتهم المغايرة)، وهو نفس الإسم الذي سأعطيه للمثليين الجنسيين في ظروف محددة (بالتحديد، خارجا عن نطاق الزواج الشرعي المثلي عند الإعتراف به في الشريعة الإسلامية، وهذا هو ما أقصد به عند قولي "سدومية فطرية" لأنه وبغض النظر عن تحليل أو تحريم هذا التنوع من "السدومية" واعتماده بشكل كلي على التحليل الشرعي للزواج المثلي، إلا أنهه في النطاق الفطري للمثليين جنسيا)، هو "الزنى المثلي". فكلمة زنا هي كلمة مذكورة بالقران وهي بذاتها لا تعني الأعمال الجنسية بين رجل وامرأة، بل أعمال جنسية خارجة عن ما هو مسموح به في الشريعة الإسلامية وفي ضمن العلاقات الزوجية الشرعية، والدلالة على ذلك هو أننا أيضاً نستخدم كلمة زنا للإشارة الى ظواهر أخرى، كتعبيرنا "زنا الجوارح" (أو الاستمناء ولن أتحث هنا عن تحليله وتحريمه لانه ليس قضيتي). فالزنا المثلي في هذه الحالة، على عكس ما سأسميه "الزنا المغاير" هو عندما يأتي الشخص (المغاير أو المثلي، ذكرا أو أنثى، بكرا أو محصنا) الأعمال الجنسية المثلية خارجا عن الإطار الشرعي بذلك. والزنا المغاير، هو عندما يأتي الشخص (المغاير أو المثلي، ذكرا أو أنثى، بكرا أو محصنا) الأعمال الجنسية المغايرة خارجا عن الإطار الشرعي بذلك. ونعم، فكما أن الشخص المغاير قد يقوم بالزنا المثلي لظروف معينة نوهت اليها سابقا، كوجوده في سجن غير مختلط ولعدم القدرة على الصبر، فإن الشخص المثلي أيضا يستطيع القيام بالزنا المغاير لوقوعه تحت ظروف معينة، كممارسة الجنس مع الجنس الآخر ليقنع نفسه مثلا أنه ليس بمثلي، وهذا أمر حاصل.
العلاقة النسبية بين التعابير الآتية: المغايرة الجنسية، المثلية الجنسية ، الزنا المغاير، والزنا المثلي
هنالك علاقتين نسبيتين أساسيتين نستطيع أن نعبرعنهم:
١. العلاقة النسبية الأولى (علاقة فطرية): المغايرة الجنسية بالنسبة للزنا المغاير، هي كالمثلية الجنسية بالنسبة للزنا المثلي
٢. العلاقة النسبية الثانية (علاقة غير فطرية): المغايرة الجنسية بالنسبة للزنا المثلي، هي كالمثلية الجنسية بالنسبة للزنا المغاير
فكلا العبارتين (المثلية الجنسية والمغايرة الجنسية) هما ظاهرتين (أصول) للتعبير عن بيولوجية جنسية فطرية أوجدها الله في الخلق، وكلا التعبيرين (الزنا المثلي والزنا المغاير) هما اختيارات وأفعال محرمة (مشتقات) يقوم البعض بارتكابها خلافا للشريعة الإسلامية، بعضها فطري (كالزنا المغاير للمغايرين جنسيا، وكالزنا المثلي للمثليين جنسا، ومعبر عنها في العلاقة النسبية الأولى) وبعضها غير فطري (كالزنا المثلي للمغايرين جنسيا، وكالزنا المغاير للمثليين جنسيا، والمعبر عنها في العلاقة النسبية الثانية. [انظر الى الرسم التوضيحي رقم ٣ أدنا].
استيعاب المثلية الجنسية كظاهرة خلقية على حياة الفرد والمجتمع
ولكن هذا التصنيف الذي يستوعب المثلية الجنسية كظاهرة مرادفة للمغايرة الجنسية يشكل اضطرابات شرعية في هذا الوقت الحالي علينا أن نتطرق اليها. فمثلا، هل هذا يعني أن المثليين الجنسيين الذين تزوجوا زواجا مغايرا لإرضاء الذين حولهم أو لرضوخهم لضغوطات أخرى، هم يمارسون الزنا المغاير رغما على أن ما فعلوه هو ما تحث عليه الشريعة الشريعة الإسلامية في منظورها الحالي للطبيعة الجنسية؟ هل هذا يعني أن المثلية الجنسية هي حلال ولكن الزنا المثلي هو حرام؟ ولكن إذا كان الأمر كذلك، فما البديل للزنى المثلي؟ هل هذا يعني أن العلاقات المثلية جميعها، خاصة لأن الزواج الشرعي المثلي ليس معترف به من منظور شرعي في هذا الوقت، هي علاقات محرمة في الشريعة الإسلامية؟ وغير ذلك الكثير من التساؤلات. إن عملي هذا هو خطوة أولية لشق طريق التحليل للمثلية الجنسية، وواجبي أن أوضح الأمور، ولكن هنالك الكثير من العمل أمامنا، ولذلك أدعوكم لمساندتي بالذي تستطيعونه من دعم معنوي وبمشاركة فعالة. إن علينا، ليس فقط، أن نوضح الطريق الشرعي لتحليل المثلية الجنسية، بل أيضاً التطرق الى كل الأمور الفقهية والشرعية التي يضطرنا اليها ذلك التحليل من عبادات ومعاملات ومن جزئيات وكليات. أنا أخبرتكم في المقدمة أن نحن هو الطريق وتوضيح مكاننا الشرعي في الدين الإسلامي هو واجب على الجميع، ولم أسرد ذلك ككلمات عابرة. نحن فعلا هو الطريق وهو بحاجتنا لكي نشقه (الحث على تحليل المثلية الجنسية) وكتابي هذا هو خطوة أولية لذلك، وأيضا الى تعبيده وإضاءته (التطرق لجميع احتياجاته وتفاصيله وكيفية مزجها مع بقية النسيج الإجتماعي العربي والمسلم).
أنا شخصيا لا أعتقد أن الأعمال الحالية التي يقوم بها المثليين في المجتمعات الإسلامية كالزواج المغاير أو الجنس الخارج عن نطاق المفهوم الحالي في الشريعة الإسلامية هي أفعال محرمة لأنهم على اضطرار الى ذلك (وهذا ليس من منطلق أن الضرورات تبيح المحظورات، لأنه لا يجب للعديد من هذه المحظورات أن تكون كذلك أساسا بل يجب أن تكون من المحللات). إذا كان هناك حرام حاصل في الممارسات الجنسية المثلية التي لا سبيل لها الآن في الزواج الشرعي المثلي في الشريعة الإسلامية، لأن علمائنا لا يعترفون به حاليا، هو يتحمل حمله وثقله وأوزاره علماء الأمة الإسلامية لوحدهم حتى يصلوا الى مشيئة الله بتحليل المثلية الجنسية وأن يشرعوا الطريق الشرعي الى ذلك. إذا كان علمائنا وفقهائنا تهمهم أمور الحلال والحرام، وأنا أؤمن بأنهم كذلك وأن نيتهم هي حسنة ونابعة من مكان صادق، فإن واجبهم الشرعي هو إعادة النظر في القضية والى تحليل المثلية الجنسية. ولكن حتى ذلك الوقت، كيف بنا أن نطلب من المثليين الجنسيين بأن لا يمارسوا الجنس المثلي، الأمر الذي فطرهم الله عليه، وخاصة أنه لا سبيل لهم الى منفذ جنسي آخر كالزواج المثلي الشرعي في هذا الوقت؟ إذا كان علمائنا وفقهائنا هم من الذين تهمهم إرادة الله في الكون وفي الحلال والحرام، فلا بد لهم من تحليل المثلية الجنسية والتطرق الى جميع الأمور الشرعية التي سيتناولها ذلك التشريع. المثليين الجنسيين هم مخلوقات أرادها الله أن تكون كذلك وعلى الشريعة الإسلامية الإعتراف بهم، وحمايتهم، وإنصافهم في القوانين الشرعية وفي الحقوق والمعاملات كما ينصف غيرهم من المغايرين الجنسين، كالسماح لهم بالزواج الشرعي المثلي، وبالتبني وغيره الكثير. هذه هي الطريقة التي نحافظ فيها على تكوينة المجتمعات الإسلامية وبقائها ورقائها، وليس بمخالفة إرادة الله ومشيئته والقوانين الإلاهية في هذا الكون.
وبهذا فأنا أكون وضعت حجر الأساس الأول الذي سأبني عليه ما تبقى من هذا العمل والذي من شأنه أن يوضح الطريق الشرعي لتحليل المثلية الجنسية.
قاعدة الأساس الثانية: المصادر الشرعية في تحليل المثلية الجنسية
عند الشروع في تحليل أي قضية أو تحريمها في ضمن الشريعة الإسلامية فإن هناك أمرا أساسيا لا بد من أخذه بعين الاعتبار، ألا وهو الصلاحية في المصادر الشرعية التي نستخدمها وصولا إلى ذلك الحكم. فدعوتي إلى وجوب التحليل الشرعي للمثلية الجنسية في ضمن الإطار الشرعي الإسلامي هي أيضا كذلك دعوة مبنية على مصادر التشريع الإسلامي، فما هي تلك المصادر وما صلاحيتها وما الأولوية باستخدامها؟ توضيح ذالك هو قاعدة الأساس الثانية التي سيتركز عليها هذا العمل.
كوني الأول تصدراً الى هذه الدعوة الإباحية في نطاق القوانين الشرعية المعهودة للشريعة الإسلامية والتي تبدو للأغلبية العظمى على أنها تحرم المثلية الجنسية تحريما قطعيا لا جدل فيه، وأنه من الإستحالة حتى التخيل، بل إنه من الجنون، أن يكون هنالك سبيلا شرعيا متينا لتحليل القضية، لا يعني آنني على خطأ. يقال لي كرا وتكرارا أنني لا بد أن أكون مجنونا لأن الحلال بيّن وأن الحرام بيّن وأن المثلية الجنسية هي محرمة على وجه الإطلاق. الحلال فعلا بين والحرام فعلا بين ولكنني أقول بأن الآية معكوسة في هذه القضية. إذن، أنا أقول وهم يقولون، فمن هو القاضي ومن هو الحكم؟ القاضي في هذه القضية في الشريعة الإسلامية وفي كل القضايا الشرعية الأخرى هو المصادر التشريعية الإسلامية التي يستمد منها المسلمون منهجهم الحياتي والتي سأبينها هنا بشكل سريع. يقال لي أيضا أنه من أنا لكي أصدر الفتاوي الشرعية من تحليل أو تحريم، وأنا قلت وسأقول بأن دعوتي الى وجوب التحليل هي ليست تحليلا بذاته وإنما من شأنها أن تبين الأدلة الشرعية والعلمية الكافية والكفيلة بذلك التحليل وتبيانها لعلمائنا ومجتهدينا ولمن هم في منصب للإفتاء. أنا لست في منصب لإصدار الفتاوي لأنني لست في منصب للإفتاء، ولكنني في منصب للكشف عن الحقيقة الشرعية بدلالاتها وبراهينها والتي نحن على جهل منها في هذا الموضوع والباقي يقع على كاهل أولي الأمر منا من علماء وفقهاء ومجتهدين وضمائرهم وإنها لمسؤولية ثقيلة على أكتافهم. أنا على إيمان بأن علمائنا لم يضطرهم الأمر أبدا الى التعمق في هذا الموضوع لعدم وجود حاجة ماسة في نظرهم تضطرهم الى ذلك، لأن ما لديهم من أدلة بدا واضحا بتحريم القضية بشكل قطعي ولم يتحداهم بذلك أحد. ولذلك فأنا سآخذ موقفهم هذا بالتحريم على أنه سوء تفاهم بيننا. ولكن الحاجة الماسة الى التعمق في هذه القضية هي حاجة موجودة ويعاني إثر تجاهلها الكثيرين. إنه واجبي كإنسان وقع ضحية لهذه الجهالة بأن أبين حقيقتها لعلمائنا وغيرهم بعد أن بينها الله لي آملا من الله أن يهديهم الى الطريق الصحيح وأن يؤدي بهم المطاف الى إصدار الفتوى الشرعية المنشودة في تحليل المثلية الجنسية، فتلك هي إرادة الله وإدراكها هو الهدف الذي يسعى من تحقيقه التشريع الإسلامي.
فإذا كانت المصادر الشرعية هي الحَكَمُ في هذه الأطروحة الشرعية، لا بد إذن من التمعن بالأدلة الشرعية المستخدمة في التحريم الحالي للمثلية الجنسية والتأكد من صلاحيتها والأولوية باستخدامها ومقارنة ذلك بالأدلة الشرعية التي سأقدمها إسنادا لما آدّعيه من وجوب للتحليل الشرعي للمثلية الجنسية وصلاحية تلك الأدلة وأولويتها. فما هي مصادر تلك الأدلة التي سأستخدمها في الدعوة الى وجوب هذا التحليل؟ هي نفسها المصادر المتفق عليها المستخدمة في تحريم القضية، ولكنّ الفرق هو بأن أدلتي هي الأقوى وتتماشى مع العقل والدين، وهي من المصادر الأولية الصحيحة في التشريع، على اختلاف شاسع مع النظير، إذ أن الأدلة التي يتم استخدامها للتحريم هي أدلة ثانوية ضعيفة، مدعومة بشكل غير مبرر بالمصادر الأولية، وليست ذو وزن ثقيل بل إنها من القيل والقال وذلك على أفضل وجه لها!
حسنا، لقد نوهت لكم للتو بأن هناك مصادر أولية رئيسية في التشريع الإسلامي، وأخرى ثانوية. وهناك أيضاً مصادر متفق عليها مع إجماع علماء الأمة الإسلامية، وأخرى مختلف الأخذ بها كمصادر للتشريع. سأبدأ بتعريفي لمصادر التشريع المتفق عليها والغير متفق عليها أولا ومن ثم سأتطرق الى المصادر الأولية والمصادر الثانوية ثانيا. سأقوم بعدها بترتيب هذه المصادرالتشريعية بطريقة أخرى أكثر قربا للعقل والمنطق وسأختم حجر الأساس هذا بسرد توضيحي للمصادر الشرعية التي سأستخدمها في دعوتي لوجوب التحليل الشرعي للمثلية الجنسية.
ماذا نعنيه بمصادر التشريع وما هدفها؟
مصادر التشريع المتفق عليها والغير متفق عليهافي التشريع الإسلامي
يستطيع الباحث أن يجد ما يبتغيه أو تبتغيه من معلومات عن مصادر التشريع الإسلامي في الكتب الفقهية وخاصة في كتب أصول الفقه وغيرها، وهنالك أيضا كم هائل من المعلومات حول هذا الموضوع على شبكت الإنترنت. ولأسباب التطرق الى مصادر التشريع الإسلامي في هذا العمل فلقد قمت بسردها وتلخيص بعضها في هذا الجزء بالإستعانة بكتاب "أصول الفقه" لفضيلة الشيخ عبد الوهاب خلاف رحمه الله ١٣٠٥-١٣٧٥هـ / ١٨٨٨- ١٩٥٦م، وأيضاً بالرابط الإلكتروني للشيخ الدكتور سعيد بويزري على رابطه الإلكتروني www.bouizeri.net.
أما عن المصادر المتفق عليها عند جمهور علماء السنة والجماعة وأولويتها بالتشريع، فهي أربعة:
١. القران الكريم: وهو كلام الله حرفيا الذي نزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (عن طريق الوحي جبريل عليه السلام) منجما (مفرقا على مراحل متعددة) باللفظ العربي بإعجاز رباني في فصاحة ألفاظه وبلاغة عباراته والذي نقل إلينا بالتواتر (رواه جمع ثقة عن جمع ثقة لا يمكن توافقهم على الكذب أواتفاقهم على سوء الفهم) والمتعبد بتلاوته (قراءته هي عبادة) والمكتوب بالمصاحف والمبتدأ بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس وهو كلام الله المعجزة الذي حفِظه من التحريف حيث قال الله "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [سورةالحجر، الآية 9]. قد أجمع جميع المسلمين على حجيته ووجوب الأخذ بجميع أحكامه وماورد فيه واستخدامه ولذلك فهو متفق عليه كمصدر تشريع آولي ولا يذهب المجتهد الى غيره من مصادر التشريع إلا إذا لم يوجد فيه حكم عن القضية المنشودة. أما عن الأحكام التي وردت في القران فمنها ماهو قطعي ومباشر بأمر مباشر من الله ومنها ما هو ليس بأمر مباشر ولكن يستنبط حكمه من كلام الله. سأقوم بتفصيل أكثر حول القران الكريم وأنواع الأحكام فيه وما يحتويه من إعجاز قرآني وعلمي حول المثلية الجنسية وغير ذلك في الوحدة الأولى من الجزء الرابع من هذا العمل والذي موضوعه هو القران الكريم وما يخبرنا الله فيه عن المثلية الجنسية.
٢. السنة النبوية: وهي ما صدر عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير ولقد اتفق العلماء على أن السنة الصحيحة الثابتة التي صدرت عن رسول الله بقصد التشريع هي حجة على المسلمين، ومصدر تشريعي لهم متى ثبتت بطريق القطع أو غلبة الظن. فقال الله "...فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..." [سورة النساء، الآية 59] وقال تعالى "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا" [سورة الأحزاب، الآية 36]. فمن حيث الأولوية في التشريع، فإن السنة النبوية الصحيحة هي المصدر الرئيسي الثاني الذي يلجأ إليه المفتي آو المجتهد للوصول الى إرادة الله في حكم ما. فالقران أولا ثم السنة ثانيا وذلك في كل ما يطرح من سؤال أو قضية. سأقوم بتفصيل أكثر حول أنواع السنة من حيث ماهيتها وسندها وغير ذلك في الوحدة الأولى من الجزء الثالث من هذا العمل والذي موضوعه هو الأحاديث النبوية وما نستخلصه منها عن المثلية الجنسية.
٣. الإجماع: هو الإتفاق بالرأي بين جميع المجتهدين من المسلمين من جمهور العلماء في عصر من العصور بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على حكم من الأحكام الشرعية العملية الذي اجتهدوا فيه وليس فيه نص واضح من القران والسنة، ولكن إجماعهم لا بد أن يكون بسند أو دليل من كتاب الله وسنة نبيه. لا يختلف العلماء على استخدام الإجماع كمصدر تشريعي والدلالة على استخدامه كمصدر للتشريع الإسلامي هي مستنبطة من آيات عدة كقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..." [سورة النساء، الآية 59]. وقد فسر عدد من العلماء أن أولي الأمر بالشريعة الإسلامية هم علماء الدين والمجتهدين. فالأولوية في اللجوء الى مصادر التشريع حول قضية ما هي واضحة هنا في الذهاب للقران أولا وللسنة ثانيا ولأولي الأمر من أمتنا ثالثا، وعند عدم إجماع أولي الأمر أو عند نزاعهم حول موضوع ما، فعلى الأمة أن ترد الأمر الى القران والسنة.
٤. القياس: تعريفه في الفقه هو حَمْل فرع على أصل لعلة مشتركة بينهما، كالحكم بتحريم شراب مسكر (الفرع لأنه لا يوجد تحريم واضح لكل أنواع المسكرات) حملاً أو قياسا على الخمر (وهو الأصل لأنه يوجد تحريم واضح للخمر) لاشتراكهما في علة التحريم (وهي الإسكار لأن الخمر وأي شراب مسكر آخر يؤدي شرابهم بإفراط الى الإسكار وبذلك فهم يشتركون بالعلة). أو بشكل مبسط هو الأخذ بالحكم الشرعي لأمر ما وتطبيقه على أمر أخر يشترك معه بالعلة. هي عملية قياس وتقدير وإعتبار يقوم بها المجتهد بين ما هو موجود من أحكام شرعية لقضايا معينة وتطبيقها على قضايا متشابهة تتشارك معها بالعلة أو السبب الذي حرمت أو حللت هذه القضايا لأجله. استنبطت الدلالة على استخدام القياس كمصدر للتشريع من آيات قرآنية كقوله تعالى "...فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ" [سورة الحشر، الآية 2] وغيرها من الأدلة الشرعية. والإعتبار هو القياس. يجب التنويه أيضا أن القياس له شروط وأسس يستطيع القارئ التعمق بها موجودة في المصادر التي ذكرتها أعلاه أو في أي مصادر شرعية عن علم الأصول الفقهية.
ومع أنني أخبرتكم أن هذه المصادر الأربعة هي مصادر متفق عليها في التشريع إلا أن البعض يتفق فقط على المصدريين الأوليين (القران الكريم والسنة الثابتة) كمصادر للتشريع ولا يتفق على استخدام الإجماع والقياس كمصادر للتشريع، ولكن هذا ليس ذو أهمية كبيرة هنا. أنا سأقر وإياكم أن القياس والإجماع هما أمرين مهمين في أصول الفقه ولكنني سأنظمهم بطريقة مختلفة بعد سردي للمصادر الغير متفق عليها في التشريع الإسلامي.
أما عن المصادر الغير متفق عليها، فتختلف المذاهب والأمة في استخدامها كمصادر للتشريع، فيحث على استخدامها أو استخدام بعضا منها من قبل بعض المذاهب، ولايحث على استخدامها آو بعضا منها من قبل مذاهب أخرى. ولأن وجوب تحليل المثلية هو مستند به بشكل كاف من خلال المصادر المتفق عليها كما سأوضح في بقية العمل، فإنني لن أتعمق بالمصادر الغير متفق عليها وسأنوه اليها هنا من باب الذكر فقط، ألا وهي: الإستحسان، العرف، الاستصحاب، المصلحة المرسلة، سد الذرائع، شرع من قبلنا، قول الصحابة وحتى أن البعض يعتبر الإجتهاد أيضا مصدرا من مصادر التشريع.
مصادر التشريع الأولية ومصادر التشريع الثانوية وعدة الإجتهاد
إذا نظرنا نظرة تمعن في مصادر التشريع الأربعة المتفق عليها أعلاه (القران الكريم، السنة النبوية، الإجماع والقياس)، وفكرنا بعبارة "مصادرالتشريع" وما الذي نعنيه بها، فإننا نلاحظ أن هناك مصدرين للتشريع فقط (القران الكريم والسنة النبوية) وسألقي عليهما لقب المصادر الأولية لأولويتهم بالتشريع، والمصدرين الأخرين (الإجماع والقياس) هم ليسوا مصادرا للتشريع بحد ذاتهم بل وسيلتين لاستنباط الأحكام الشرعية من المصدرين الأولين (القران والسنة) وأحيانا أيضاً من المصادر الغير متفق عليها والتي سأسميها مصادر ثانوية. هذا لأن الإجماع والقياس بحد ذاتهم هم ليسوا مصادرا منفردة للتشريع بل ضوابط وأدوات يقوم بها المجتهد الى استنباط الحكم الشرعي بقضية ما استدلالا منه على ما ورد في القضية من أدلة في القران والسنة، بينما القران والسنة هم مصادر قد تنفرد بالتشريع في أمر ما باستقلالية تامة. فلا تجد علمائنا مثلا يقولون أن هذا حلال أو حرام أو محبب أو مكروه أو غيره من غير استخدامهم للقران والسنة، فالإجماع والقياس يتطلبان أن يكون هناك قرأنا وسنة لحدوثهم. وبناءا على هذا، فأنا أصنف مصادر التشريع الإسلامي المتفق عليها كمصادر أولية أساسية مستقلة بالتشريع (القران والسنة)، وكمصادر ثانوية لا يمكن أن تخالف المصادر الأولية بل موجودة لتدعيمهما (الإستحسان، العرف، الاستصحاب، المصلحة المرسلة، سد الذرائع، شرع من قبلنا، قول الصحابة)، وسأضع الإجماع والقياس في خانة أخرى ألا وهي خانة الإجتهاد، أنظر الرسم البياني رقم ٥. لا يهم فعلا أين نصنف الإجماع والقياس لأننا نتفق على استخدامهم في عملية التشريع ولكن التنظيم الأتي يتوافق أكثر في ذهني كتصنيف للعلاقة بين دور المجتهد بالوصول الى الأحكام الشرعية وبين المصادر التي يستخدمها للتشريع. هذا التنظيم إذن يعترف بالإجماع والقياس كوسائل للتشريع ولكن لايعتبرهم مصادر تشريع مستقلة بل يعتبرهم أدوات يستخدمها المجتهد في عملية الإجتهاد.
ما مصادر التشريع التي سأستخدمها في دعوتي لوجوب تحليل المثلية الجنسية؟
كحجر الأساس الذي سأبني عليه الأدلة الشرعية في تحليل المثلية، فأنا سأستخدم مصادر التشريع الأولية فقط (القران والسنة الثابتة) لإثبات الحجج والبراهين في الوجوب الشرعي لتحليل المثلية الجنسية. وبعد إقامتي لتلك الحجة، فسأقوم بتوضيح بسيط لكيفية استخدام المجتهد أو المفتي المسلم للقياس كوسيلة لاستنباط الآحكام الشرعية المتعلقة بالمثلية الجنسية في العبادات والمعاملات، ومن ثم سأوضح كيف أن إجماع علماء الأمة الحالي على تحريم المثلية الجنسية هو إجماع باطل وناتج عن جهالة في الموضوع لأنه يخالف إرادة الله في القران وفي سنة نبيه وأن واجبهم في الإجماع هو واجب في التحليل وليس واجب في التحريم. لن أتطرق الى أقوال الصحابة، العرف، سد الذرائع أو غيره من المصادر الثانوية الغير متفق عليها لسببين: السبب الأول والرئيسي هو أن المصادر الأولية الرئيسية لها الأولوية في تحليل أمر ما أو تحريمه ولا يلجأ المجتهد الى غيرها إذا كان ما ورد فيها هو كاف للإستدلال الشرعي بالقضية (لأن ما ورد فيها يَجُبُ كل الأدلة الأخرى الغير متفق عليها)، والسبب الثاني هو أن ما ورد في هذه المصادر الأولية من أدلة لتحليل المثلية الجنسية هي أدلة كافية ومتينة للبيان الشرعي في تحليل المثلية الجنسية ووجوب العمل على إدراك ذلك.
وبهذا فأنا قد وضعت حجر الأساس الثاني الذي سأبرهن من خلاله الأدلة الشرعية في تحليل المثلية الجنسية.
قاعدة الأساس الثالثة: المنهج العلمي لاستنباط المعرفة واستخدامه في الدلالة على تحليل المثلية الجنسية
قاعدة الأساس الثالثة والأخيرة التي أراها مهمةً في إقامة الحجة على وجوب التحليل الشرعي لقضية المثلية الجنسية موضوعها هو المنهج العلمي وكيفية وصوله الى الحقائق العلمية. فما هو العلم وما هو البحث العلمي، وما هي الخطوات العملية التي يقوم باتباعها العلماء الى الوصول الى المعرفة (المنهج العلمي)، وما طبيعة الحقائق التي توصلنا اليها تلك العملية وأهميتها في التشريع الإسلامي؟ هذا ما أريد أن أوضحه بتلخيص في هذا الجزئ الأخير من هذه الوحدة الثالثة ختاما للجزء الأول من الكتاب.
لقد استعنت بصفحة إلكترونية إنجليزية وجدتها قيمة لتلخيص بعض المفاهيم العلمية هنا. لقراءة المزيد عن كيفية استنباط المعرفة العلمية ومنهجية البحث العلمي وخاصة حول ما تحتويه الصفحة من معلومات متعلقة بخطوات المنهج العلمي (Process of Science) فالرابط الإلكتروني لتلك الصفحة هو www.visionlearning.com
ما هو العلم وما هو البحث العلمي؟
عند حديثنا عن العلم فإن مفهومنا له يحتوي على أمرين: الأمرالأول هو مُجسد المعرفة ذاته في هذه الحياة (الحقائق العلمية الموجودة فينا ومن حولنا التي نحاول فهمها)، والأمر الثاني هو الطريقة التي نصل بها الى تلك الحقائق (مبدأ أومنهج السعي لفهم الحقائق). فهناك الحقائق العلمية ونظمها وقوانينها التي يسير عليها الكون (مجسد المعرفة ذاته والتي يحاول الإنسان فهمه)،وهناك الطريقة التي نتبعها لفهم تلك الحقائق (المنهج العلمي). ينقسم العلم الى أنواع كثيرة منها علوم طبيعية، وعلوم إجتماعية وسلوكية وعلوم تطبيقية وشكلية وغيرها. ولكن ومع اختلافها الى آنها جميعا تتبع خطوات علمية محددة من أجل قبولها كمعرفة موثوقة يُأخذ بها.
أما عن البحث العلمي فهو ما نعنيه بالأسلوب العلمي المنظم الذي يتبعه العلماء لفهم قضية ما، لحل مشكلة ما، لتأكيد أو رفض أمر ما أو للتنبؤ بحدوث أمر ما أو غير ذلك. أو بشكل مبسط أكثر، هو كل ما يقوم به الباحث العلمي لكي يصل الى شيء معلوم من شيء مجهول. هو أسلوب منظم يتم في خطوات محددة نسميها المنهج العلمي. فما هو المنهج العلمي أو الأسلوب المنظم الذي يتبعه العلماء في البحث العلمي؟
المنهج العلمي هو الوسيلة التي يستخدمها العلماء للوصول الى الحقائق العلمية من حولنا وهي عبارة عن مجموعة من الطرق والتقنيات التي يتبعها العالم ويستخدمها لدراسة الظواهر القديمة والحديثة للوصول الى المعرفة. تهدف المنهجية العلمية الى الوصول الى معلومات علمية قليلة الخطأ، قابلة للقياس والتكرار والإستنتاج. يبسط الكثيرين هذه العملية في تطور يسير على منهج خطي من مرحلة الى أخرى إبتداءً بمراقبة الباحث لظاهرة علمية ما، الى طرح سؤال حولها، الى طرح فرضية منطقية لتفسير ذلك السؤال، الى القيام بتجربة لفحص تلك الفرضية، وانتهاء بملخص يشرح تلك الظاهرة العلمية (أنظرالرسم التوضيحي رقم ٦). هذا بلا شك لا يوفي المنهج العلمي حقه إذ أنه أمر ليس بتلك البساطة ولا يجب تبخيسه الى ذلك المستوى من البساطة. الحقيقة هي أن منهج البحث العلمي للوصول الى المعرفة هو منهج دينامكي وضخم ويوظف طرقا عديدة لإكتشاف الحقائق والتي تتضمن على التجارب، الوصف، المقارنة والنمذجة ولا يسير دائماً بشكل خطي مبسط. الأتي هو تلخيص شامل مبسط لطبيعة البحث العلمي وعملية استنباط المعرفة.
طبيعة إستنباط المعرفة(كيف يصل العلماء الى المعرفة؟)
الأسئلة والأفكار
قد يسأل أحدنا، ما هي طبيعة الأسئلة والأفكار التي يمكن الإجابة عليها ودراستها من ناحية علمية؟ والإجابة على ذلك هي محصورة في ضمن إطار معين يختلف من زمن الى زمن ومن ثقافة الى ثقافة ومن عالم الى عالم. فهناك جميع الأسئلة التي يمكن دراستها من ناحية علمية ولكن لا يتم دراستها جميعا لأسباب عدة تتضمن على المجتمع الذي نعيش به (ما هي قوانينه وثقافته؟ مثلا، هل يسمح لنا القانون بأن نجرب الأدوية مباشرة على الإنسان قبل تجريبها على الحيوان؟)،على التكنولوجيا المعاصرة (هل هذا أمر ممكن من ناحية تكنولوجية؟ مثلا هل هو ممكن أن نصل الى المجرة المجاورة لمجرتنا للقيام بدراسة ما)، على الأخلاق المعهودة (هل هذا أمر مقبول؟ مثلا، هل هو أمر مقبول بأن نقوم بالإستنساخ البشري؟)، على مصالح وخلفية العلماء الباحثين (لماذا يدرس الباحث هذه الظاهرة؟ ما مصلحته؟)، على التمويل المادي (هل لدينا الإمكانية المادية لدراسة أمر ما؟) وغير ذلك. هذا بالتالي هو ما يحدد الأسئلة والأفكار التي يتم دراستها من ناحية علمية.
لنفرض أن عالما ما راقب أمرا ما وأراد فهمه بشكل علمي (Observation) وتسمح له كل الظروف بفعل ذلك، مثلا لاحظ هذا العالم أن كثيرا من مثلي يالجنس الذكور ترعرعوا في بيوت خالية من الأباء. فماذا يأتي بعد؟ يقوم هذا العالم بتحديد سؤاله أو الفكرة التي يريد دراستها بشكل محدد، مثلا، هل غياب الأب في مراحل الطفولة الأولى يساعد على ظهور ميول جنسي مثلي عند البلوغ؟ يقوم بعدها العالم بصياغة فرضية علمية منطقية لتفسير ذلك السؤال أو شرحه (Hypothehis). مثلا، غياب الأب في مرحلة الطفولة يؤدي الى ارتفاع إحتمالية أن يمتلك هذا الشخص ميولا جنسيا مثليا حين بلوغه. لابد الى الإشارة هنا أنه لا شك بأن خلفية الباحث وثقافته وفضوله تؤثر بطبيعة السؤال الذي يسأله ويحاول دراسته وهذا بالتالي يؤثر بالمعرفة العلمية ولكن هذا ليس شيء سيء بل يساعد على نمو الأدلة نحو حقيقة ما أو نقضها. فالمعرفة العلمية لا تعتبر معرفة علمية موثوقة حتى تبرهن من علماء عدة من خلفيات وثقافات مختلفة وهذا ما يجعل المنهج العلمي مصدرا يثق به العلماء والسبب الرئيسي في تقدم الإنسانية.
طرق البحث العلمي(Scientific Research Methods)
بعد تحديد السؤال وتكوين الفرضية، يقوم الباحث بتصميم تجربة علمية دقيقة لإمتحان هذه الفرضية ولمعرفة إذا كان غياب الأب هو عاملا مسببا لتلك المثلية عند هؤلاء الأشخاص. التكنولوجيا تلعب دورا كبيرا في تمكيننا من دراسة هذه الأمور وتحليلها. هناك أيضاً طرقا عدة لتصميم هذه الأبحاث أذكر منها طريقة التجارب التطبيقية (Experimentation) والتي تحاول كشف العلاقة بين الأسباب والنتائج عن طريق التحكم والتلاعب بالمتغيرات المعنية (عوامل المتغيرات المستقلة، التابعة والثابتة التي تمكن الباحث من القيام بتجربة مفيدة)، طريقة الوصف (Description) والتي تحاول أن تجمع المعلومات عن طريق المراقبة للظواهر الطبيعية، طريقة المقارنة (Comparison) والتي تجمع المعلومات عن طريق المقارنة بين الأشياء المختلفة، وطريقة النمذجة (Modeling) سواء على أرض الواقع أو باستخدام الكمبيوتر والتي ملخصها هو تقليد النظم الطبيعية بشكل يسمح للباحث التحكم والتلاعب بها (لأننا لا يمكننا فعل ذلك على أرض الواقع كالتحكم بالمسارات الفضائية مثلا) وذلك لأجل فهمها وشرحها. يقوم الباحثون في كثير من الأحيان بتوظيف أكثر من طريقة بحث واحدة خلال أبحاثهم، فهذه الطرق هي أيضاً متواصلة ببعضها واستخدامها مع غيرها يساعد على فهم القضايا المعقدة بطريقة لا تسمح بها أي طريقة على حداها.
المعطيات (Data)
كل طرق البحث العلمي لإستنباط المعرفة (طريقة التجارب التطبيقية، طريقة الوصف، طريقة المقارنة، طريقة النمذجة أو غيره) تدر علينا بمعطيات وأرقام، وهذا ما نشير اليه بعملية جمع المعطيات (Data Collection). ولكن لأجل فهم هذه المعطيات بطريقة مفيدة فلا بد من تحليلها وهذا يتضمن على تفصيلها وإيجاد الأنماط والإتجاهات التي تخبرنا بها وعمل رسوم بيانية لها، وغير ذلك. وللمساعدة بتحليل المعطيات فإن الباحثون يقومون باستخدام علم الإحصائيات لاستنباط النتائج التي نترجمها وتستخدمها في حياتنا العملية ولضبط البحث العلمي ولقياس نسبة الخطأ الحاصل وغير ذلك. هنالك دائماً أخطاء بالأرقام التي نجمعها وهذه الأخطاء هي أخطاء منهجية أو عشوائية (Systematic and Random Errors) تحصل لأن قدراتنا الإنسانية والتقنيات التي نستخدمها هي غير معصومة عن الخطأ. ولكن تصميم البحث العلمي بطريقة دقيقة يساعد على تخفيض نسبة هذا الخطأ وعلم الإحصاء يساعدنا على أن نكون على ثقة عالية بالنتائج التي نحصل عليها لدرجة دقيقة جداً (High Confidence Level).
تفسير المعطيات ونشر البحوث (Data Interpretation and Publication)
الآن لدينا معطيات نستطيع تفسيرها. قد تقدم لنا هذه النتائج أسئلة مهمة أخرى بحاجة الى أجوبة وتضاف الى الأسئلة الأخرى التي قد يتم شرحها بتصميم دراسات أخرى. يعدل هنا أيضا كثيرا من الباحثين فرضياتهم للتتماشى مع المعطيات التي تم تجميعها. فعلى سبيل المثال وبشكل فرضي، يلاحظ العالم من المعطيات التي قام بتجميعها وتحليلها الى أن هناك علاقة ذو أهمية بين الأشخاص المثليين الذين لم يتواجد أب في حياتهم في مرحلة الطفولة وبين المستوى الإجتماعي لعائلاتهم إذ أنهم كانوا أيضاً من عائلات غنية، ولم يكن هناك علاقة ذو أهمية بين المثليين الفقراء وغياب الأب في مرحلة الطفولة. هذا بالتالي يستدعي الباحث لأن يعدل فرضيته لتشمل في مضمونها على المستوى الإجتماعي كجزء من فرضيته ويقوم بعدها بإجراء دراسات أخرى وتجميع معلومات أكثر حتى يكون واثقا من استنتاجاته. قد تكون نتيجة الباحث مناقضة تماماً لفرضيته وهذا أيضاً جزء مهم من العلم إذ أن التأكيد على صحة أمر ما أو على خطأه هو معرفة بحد ذاته. هكذا هو العلم وفرضياته، في رفض وتنقيح وتعديل وتطوير متواصل.
ولكن لتصبح هذه المعلومات والمعطيات جزء من المعرفة العلمية التي يستطيع الآخرين استخدامها، إعادة دراستها، نقضها أو غير ذلك فلا بد من نشرها. وهذه هي مرحلة أخرى من عملية البحث العلمي إذ أن الباحثين يقومون بإرسال دراساتهم بكل الذي تحتويه من أسئلة، فرضيات، طرق تصميم، معطيات واستنتاجات الى مجلات نشر العلم العالمية (Scientific Journals) لكي يوافق أو لا يوافق على نشرها. ولكي تدقق هذه المجلات العلمية الصحة من هذه الأبحاث فإنها تقوم بإرسالها الى عديد من المتخصصين بذلك المجال والذين بدورهم يقومون بنقده والتعليق عليه في عملية تسمى مراجعة الزملاء أو الخبراء (Peer Review). وبناء على صحة البحث ودقته وأصالته يتم القرار بنشره أو عدمه. قد تسبب عملية نشر بعض المواضيع جدلا في الوسط العام أو الوسط العلمي، خاصة إذا كان الأمر مخالفا لما هو معهود، كقولنا مثلا أن المثلية الجنسية هي ظاهرة بيولوجية مستندين على ذلك بمقرانة لحجم جزء من النواة في الهايبوثالمس في دماغ المثليين مقارنة مع غيرهم. قد يؤدي هذا الى إعادة البحث العلمي من قبل العلماء للتأكد من النتائج لتثبيته أو عدمه، أو حتى إعادة شرح الفرضية المطروحة من منظور آخر. وهكذا نبني الكم المعرفي لدينا عن كل أمر يهمنا. فكلما تحسنت تكنولوجيتنا كلما تحسنت قدرتنا على تدقيق المعرفة العلمية والبناء عليها وتطويرها وكلما قدّمنا ثروة جديدة لمفهومنا عن الأشياء. هذا بالتالي يؤدي الى تغير حياتنا للأفضل وتغير قوانيننا ومفاهيمنا لتتساير مع تقدمنا في هذه الحياة، فما أجمل هذا العقل البشري الذي أودعه الله عند الإنسان!
ولكن لتصبح هذه المعلومات والمعطيات جزء من المعرفة العلمية التي يستطيع الآخرين استخدامها، إعادة دراستها، نقضها أو غير ذلك فلا بد من نشرها. وهذه هي مرحلة أخرى من عملية البحث العلمي إذ أن الباحثين يقومون بإرسال دراساتهم بكل الذي تحتويه من أسئلة، فرضيات، طرق تصميم، معطيات واستنتاجات الى مجلات نشر العلم العالمية (Scientific Journals) لكي يوافق أو لا يوافق على نشرها. ولكي تدقق هذه المجلات العلمية الصحة من هذه الأبحاث فإنها تقوم بإرسالها الى عديد من المتخصصين بذلك المجال والذين بدورهم يقومون بنقده والتعليق عليه في عملية تسمى مراجعة الزملاء أو الخبراء (Peer Review). وبناء على صحة البحث ودقته وأصالته يتم القرار بنشره أو عدمه. قد تسبب عملية نشر بعض المواضيع جدلا في الوسط العام أو الوسط العلمي، خاصة إذا كان الأمر مخالفا لما هو معهود، كقولنا مثلا أن المثلية الجنسية هي ظاهرة بيولوجية مستندين على ذلك بمقرانة لحجم جزء من النواة في الهايبوثالمس في دماغ المثليين مقارنة مع غيرهم. قد يؤدي هذا الى إعادة البحث العلمي من قبل العلماء للتأكد من النتائج لتثبيته أو عدمه، أو حتى إعادة شرح الفرضية المطروحة من منظور آخر. وهكذا نبني الكم المعرفي لدينا عن كل أمر يهمنا. فكلما تحسنت تكنولوجيتنا كلما تحسنت قدرتنا على تدقيق المعرفة العلمية والبناء عليها وتطويرها وكلما قدّمنا ثروة جديدة لمفهومنا عن الأشياء. هذا بالتالي يؤدي الى تغير حياتنا للأفضل وتغير قوانيننا ومفاهيمنا لتتساير مع تقدمنا في هذه الحياة، فما أجمل هذا العقل البشري الذي أودعه الله عند الإنسان!
عندما نصل الى نتائج متشابهة من فرضيات مختلفة من جهات متعددة حول ظاهرة ما, فإنه يصبح بإمكاننا أن نفسر تلك الظاهرة بما نسميه بالنظرية، وهي نموذج يقبله العلماء كشرح لظاهرة معينة لأنه تم تصديقه من قبل فرضيات متعددة واقعة في ضمن ذلك النموذج. فمثلا، إذا أشارت مئات الدراسات الى دور البيئة المحيطية كمسبب للمثلية الجنسية فإنه يصبح لدينا نظرية تشير الى أن البيئة المحيطية تلعب دورا بميول الشخص المثلي . فكلما أشارت الفرضيات الى مسبب معين، كلما زادت ثقتنا بأن ذلك المسبب هو معني بذلك الأمر. النظرية لا تعني الجزم، وتبقى في تغيير وتطوير دائم كلما زادت قدرتنا وتقنياتنا في تطوير المنهج العلمي للوصول الى المعرفة. وكما أن هناك نظرية بيئية لتفسير المثلية الجنسية، فإن هناك أيضاً نظرية بيولوجية في تفسيرها كعامل مسبب للميول الجنسي. فأيهم أقرب للدقة في هذا الوقت وهذا العصر؟ هذا هو موضوعنا في الجزء الثاني من الكتاب.
ما الفرق بين الفرضيات، النظريات والقوانين (Hypotheses, Theories and Laws)
الفرضية العلمية هي تفسير لظاهرة ما يقوم الباحث بافتراضها حول ظاهرة أو نتيجة بحث علمية يتم مراقبتها. ومع أن الفرضية بطبيعتها هي تخمين يقوم به العالم لتفسير ما يراقبه من معطيات من حوله، الى أنه ليس أي تخمين بل هو تخمين علمي يتبع المنطق ولا بد أن يكون قابلا للإختبار.
أما النظرية العلمية هي نظرية تبلورت لتفسير ظاهرة واسعة الوجود أُستُدِل عليها عن طريق عدة جهات من الأدلة والفرضيات وعن كم هائل من المعطيات والمراقبة العلمية التي جُمعت عبر فترة طويلة من الزمن وهي نظرية منطقية، قابلة للإختبار والتنبؤ والتوقع. مثالا على ذلك هو النظرية بأن المحيط الذي يعيش به الإنسان في طفولته يؤثر بميوله الجنسي عند الكبر أو نظرية الإنجذاب لنيوتن الذي يصف بها الجاذبية على أنها قوة جذب بين جسمين. النظرية العلمية هي نظرية قابلة للتعديل والتغيير كلما ظهرت أدلة علمية جديدة تستدعي الى ذلك أو عن طريق إعادة النظر في تفسيرنا للمعطيات العلمية الموجودة.
أما عن القوانين العلمية فهي تعبير عن علاقات رياضية أو وصفية موجودة في الطبيعة كقانون الجذب العام لنيوتن (Newton's Law of Universal Gravitation). الفرق هنا بين النظريات والقوانين هو أن النظريات تشرح الظواهر وتعطي أسباب احتمالية لوجودها بينما القوانين تصف الظاهرة بالغالب بشكل حسابي ولا تحاول تفسير سبب حدوثها. فمثلا قانون نيوتن ينص على أنه توجد قوة تجاذب بين أي جسمين بالكون تتناسب طرديا مع حاصل ضرب كتلتيهما وعكسيا مع مربع المسافة بينهما. قانون نيوتن هنا لا يشرح لماذا هذا صحيح، وانما يصف كيفية عمل الجاذبية فقط.
حديثنا عن المثلية الجنسية هو حديث عن النظريات التي تحاول شرحها وسبب حدوثها، ولن نتحدث عن قوانين حسابية هنا. هدفنا هو أن تسترجع ما يقوله لنا العلم عن هذا الموضوع ومقارنة النظريات الموجودة في شرحه والسبب خلف إيماننا بنظريات ورفضنا لأُخَر.
لماذا نؤمن بالعلم
نؤمن بالعلم لأن طبيعة العلم وطريقة المنهج العلمي تعطينا القدرة على الوصول الى المعرفة بشكل دقيق، فهي مسؤولة عن وصولنا للفضاء البعيد وعن التطورات الطبية ولفهمنا عن كل شيء من حولنا في شتى المجالات، فهما علميا دقيقا قابلا للقياس والتنبؤ العلمي والتكرار والتحسين. كل جزء وتفصيل لدينا من المعرفة العلمية تقريبا هو جزء مبني على جهود كثير من العلماء والباحثين وتم فحصه بالعديد من طرق البحث العلمية وتم تحليله بتفصيل دقيق وقام بنقضه بصرامة المتخصصون بمجاله وتم تكرار الكثير منه للتأكد من صحته. ما ينشر بالمجلات العلمية من بحوث ومعلومات لا يصل الى تلك المرحلة حتى التأكد من مصداقية منهجيته العلمية. ولكن هذا لا يعني أن كل شيء نشر هو معرفة ثابتة، بل على العكس، هكذا هو العلم يتغير ويصقل كلما تطورت وسائلنا وأساليبنا لفهم العالم من حولنا.
لقد كتبت لكم سابقا أن الدين والعلم هما وسيلتين لاستنباط الحقائق أو المعلومات، وأن الدين مركبته هي الإيمان والتشريع الإسلامي وأن العلم مركبته هي العقل والمنطق والبحث العلمي، ولكن كلاهما يؤدي الى نبع المعرفة السماوي ذاته. هذا ليس كلاما فارغا بل هو كلام يتفق عليه علماء الدين الإسلامي إذ أنهم يستخدمون العلم الحديث لأمور عدة. وإذا تمعنا في كيفية استخدام الشريعة الإسلامية الى العلم، فإن علمائنا يقومون باستخدامه لهدفين على الأقل وفيهما تكمن أهمية العلم وسبيله على التشريع الإسلامي (إنظر الرسم البياني رقم ٧). الإستخدام الأول هو لتثبيت ما اجتهدوا عليه في كثير من الأحكام الشرعية ولترسيخٍ منهم للكثير من فتواهم وأحيانا بشكل خاطئ كما نقلت لكم عن كتاب فقه السنة في "أضرار""اللواط". ففي منظورنا الإسلامي، لا بد للعقل (العلم) بأن يتوافق مع الدين ولا وجود لشرع مخالف للفطرة والطبيعة والمنطق، وهذا هو أحد الأسباب مثلا لعدم حثنا على الرهبنة والتنحي عن الممارسات الجنسية حتى لرجال الدين والزاهدين لأن ذلك مخالف لفطرة الإنسان، الأمر الذي شجع عليه ما سبق الإسلام من عقائد سماوية وغيرها. والإستخدام الثاني للعلم هو كوسيلة لتبيين الإعجاز القراني في كثير من الإكتشافات العلمية الحديثة التي نبأ عنها القران منذ مئات من السنين قبل زمن اكتشافها والإيمان بها، وكنا على جهل إنساني وشرعي في إدراكها حقيقة إلا من خلال المنهج العلمي. إذن فإن العلم الحديث هو أمرفي غاية الأهمية في التشريع الإسلامي وأداة اجتهاد وضعها الله لعلمائنا لكي يوفقوا بها بين الشريعة الإسلامية وأزليتها وبين ما تفرضه علينا التطورات العلمية مع تقدم الزمن. العلم يعيننا على تثبيت ما نعيه من حقائق شرعية وأيضاً الى الوصول الى حقائق ربانية أخبرنا الله عنها في محكم تشريعه ولم نتمكن من اكتشافها وتقديرها حقا الا بوساطة العلم الحديث. إن دل هذا على شيء فإنه يدل على الحكمة الإلهية في استوداعنا للعقل البشري وأهمية العلم الحديث للوصول الى الإرادة الربانية.
وكما أن العلم يساعد علمائنا على كشف الثروة القرانية بزمن تدريجي مستمر واستجوابا للتطورات العلمية، فإن العلم أيضاً سيساعد علمائنا على الإيمان بشرعية المثلية الجنسية وتحليلها لأنها أيضاً وجها آخراً من وجوه الإعجاز القراني والذي سأبينه في بقية هذا العمل والذي سيؤدي بالتالي الى التعديل الشرعي في فتواهم في موضوع المثلية الجنسية وتحليلها وتثبيت ذلك بالعلم الحديث ومصداقية المعرفة.
قواعد نتفق عليها في المنهج العلمي لاستنباط المعرفة
هناك عددا من الأمور يتفق عليها المجتمع العلمي في المنهجية العلمية والتي أبني عليها أيضاً قاعدة الأساس الثالثة هذه في السعي نحو التحليل الشرعي للمثلية الجنسية، وسأذكر أهمها لأهداف هذا العمل في النقاط الآتية:
١. العلم هو سلسة من الإستكشافات لفهم العالم من حولنا من خلال إتباع خطوات المنهج العلمي
٢. العلماء يستخدمون وسائل أو طرق بحث متعددة لدراسة العالم من حولنا
٣. المعطيات التي تجمع خلال البحث العلمي لا بد أن تحلل وتفسر لكي تستخدم كأدلة علمية
٤. النظريات العلمية هي تفسيرات قابلة للإختبار ومدعومة بعدة أبواب من الأدلة
٥. المعرفة العلمية تتطور بتطور أدلة جديدة ومنظورات جديدة وتكنولوجيا جديدة
٦. العلم ينتفع بإبداع، فضول، تنوع، وإجتهاد الباحثين والعلماء
٧. العلم غير معصوم عن الخطأ وهو عرضة للتحيز والخطأء الإنساني
٨. المجتمع العلمي يشارك بنقاش المعرفة العلمية الجديدة ونتائجها ويشارك بتخفيف الخطأ الحاصل
٩. الخطأ وعدم اليقين المطلق بحقائق الأمور هو أمر متأصل بطبيعتنا ولكنّ العلماء يسعون جاهدين لتخفيفه وتقدير قيمته بنسبة رقمية محددة
١٠. العلماء يقدرون ويقيمون التعبير الصادق والمفتوح في نقل المعلومات العلمية وعدم الممارغة بأي شيء
١١. العلم يؤثر ويتأثر بالمجتمع والثقافات التي هي موجودة فيه
١٢. العلم هو مهم للفرد والمجتمع
هذه هي النقاط الإثنا عشر بشكل تقريبي التي هي مذكورة بالصفحة الإلكترونية أعلاه عن مبادئ أو مفهوم البحث العلمي. أود أن أضيف عليها أمرا مهما وهو أن مجتمع جمهورالعلماء لا ينظر الى الدوافع التي تجعل عالما أو باحثا ما يخوض بعملية بحث ما، ولايرفض أي بحث علمي دقيق متماشي مع المنهجية العلمية بسبب عرف أي شخص أو دينه أو مبادئه. لو كان ذلك هو الحال لما أخذ أي شيء من علماء المسلمين في الماضي ولما أخذنا أي شيء من الغرب في الحاضر ولكان حالنا في عتمة علمية لا حياة فيها. فالعلم يستفيد من اختلاف دوافعنا وفضولنا وأسبابنا في البحث، ويسمو على كل ذلك بمنهجيته وهدفه الوحيد في الوصول الى ما هو ممكن من الحقيقة المعرفية.
وبهذا أحبتي أنا أكون قد وضعت حجارة الأساس الثلاثة الرئيسية لبقية هذا العمل. فمفهومنا عن المثلية الجنسية والدعوة الى تحليلها هو مفهوم محدد، سيتم الدلالة على وجوب تحليله بمصادر شرعية أولية محددة، وسأُدّعمُ ذلك الوجوب في التحليل بأدلة علمية حديثة تبين وجها كان مخفيا للآن من وجوه الإعجاز القراني في هذه القضية. وبهذا فأنا أكون قد أتممت لكم الجزء الأول من الكتاب، وسأبدأ بنشر الجزء الثاني عن العلم الحديث ودلالاته عن المثلية الجنسية.
جميع حقوق الطبع و النشر والتوزيع محفوظة
Maher Alhaj ©2012.All Rights Reserved