الأحد، 10 مارس، 2013


الجزأ الأول
الوحدة الثالثة

قواعد الأساس الثلاثة لبناء الفتوى الشرعية في تحليل المثلية الجنسية
 
تناول الجزء الأول من هذا العمل للآن أمران مهمان: تطرق أولهما الى عواقب التأثير الحاصل على الفرد المثلي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية نتيجة لجهلنا عن فهم المثلية الجنسية فهما إيجابيا صحيحا وكانت قصة حياتي مثالا عينياً على ذلك، وقمت أيضاً من خلاله الى التنويه السريع لطبيعة صراعنا العربي الإسلامي مع المثلية الجنسية وما الذي علينا فعله للإصلاح (الوحدة الأولى)؛ وتطرق ثانيهما الى تحليل سريع الى العوامل التي أدت الى ذلك الجهل وتثبيته في أوساطنا العربية والإسلامية (الوحدة الثانية). ولأن هذا الجزء الأول يهدف الى وضع البنية التحتية لسائر الكتاب، فلا بد أيضا من التطرق الى بعض المفاهيم الأساسية التي تشكل العمود الفقري الذي يتركز عليه سائر هذا العمل وتعريفها، لأنها حجارة الأساس أو القواعد الرئيسية التي ستنتصب عليها الفتوى الشرعية المنتظرة في تحليل  المثلية الجنسية.  فعند تحدثي عن وجوب التحليل الشرعي في قضية المثلية الجنسية، فإن هذا المنظور يتكئ بشكل كلي على المعنى الذي أقصده بالمثلية الجنسية (حجر الأساس الأول)، وعلى مصادر التشريع الإسلامي التي سأستخدمها للحث على هذا التحليل وأولويتها بالتشريع (حجر الأساس الثاني)، وعلى المنهج العلمي الصحيح في طلب المعرفة والوصول إليها (حجر الأساس الثالث).

فما الذي أعنيه بقواعد أو حجارة الأساس هذه؟ هذا ما سأبينه هنا في هذا الجزء وسأقوم بوضعها وتمكينها حجرا حجرا لكي نتمكن من البناء عليها لاحقا في الكتاب. 


قاعدة الأساس الأولى: ما المعنى المراد من مفهوم المثلية الجنسية؟

سألقي الضوء على المعنى المراد في "المثلية الجنسية" عن طريق طرح وإجابة لبعض الأسئلة المتعلقة بهذا المصطلح ومن ثم سأتطرق الى توضيح لبعض العلاقات النسبية بين المثلية الجنسية وبين ما ندركه من مصطلحات ومفاهيم جنسية أخرى. ما أعنيه بالمثلية الجنسية هنا هو أمر جذري لكل شيء ذو علاقة بهذا العمل ولكل الأهداف التي يطمح لاحقا إلى تحقيقها.

ما هو المفهوم الحالي للمثلية الجنسية؟

مفهومنا الحالي للمثلية الجنسية في أوساطنا العربية والإسلامية هو متعلق بشكل مباشر بما نعيه من فهم للعلاقات الجنسية بين الأشخاص الذين ينتمون للجنس البيولوجي الواحد، كالعلاقات الجنسية بين الذكر والذكر أو الأنثى والأنثى، على أنها علاقات "اختيارية" خارجة عن الفطرة الخلقية، أو المبدأ الذي يؤمن ويقر بالشمول المطلق لظاهرة المغايرة الجنسية بين مخلوقات الله في المملكة الحيوانية لما تتطلبه الحياة من تناسل وتكاثر، وبناءً على ذلك فهذه العلاقات المثلية هي علاقات عقيمة، منبوذة ومحرمة. هي نفسها العلاقات التي نطلق عليها بعبارات اللواط والسحاق أو السدومية (كما يفضل البعض بتلقيبها نسبة لقرية سدوم التي بُعث إليها سيدنا لوط عليه السلام، لما تعتريه كلمة لواط من شذوذ وفسوق مُلوث لاسم النبي). ويقر البعض أن هذه "الاختيارات" لها تأثيرات مرضية على الشخص الذي يختار فعلها كما هو منقول في كتاب فقه السنة الذي تحدثت عنه في الوحدة السابقة والذي هو منقول عن كتاب الإسلام والطب، ويأخذ البعض وهم أقلية كما وضحت أيضاً في الوحدة السابقة، هذه العلاقات الجنسية بين أفراد الجنس البيولوجي المماثل إلى مفهوم بيولوجي خارج عن مفهوم "الاختيار"، إذ يلقبونها "باضطرابات" فطرية بيولوجية مرضية وغير قابلة للعلاج ، بمحاولة منهم للتوفيق بين مفهومهم الديني الحالي حول هذا الموضوع وبين الأدلة العلمية الحديثة التي يصعب رفضها. المهم هنا هو أن "المثلية الجنسية" في مفهوم الأغلبية في أوساطنا العربية والإسلامية، أو ما يسموه باللواط والسحاق أو السدومية، هو إما أنها "اختيار" قبيح أو أنها "مرض" نفسي أو اضطراب فطري بيولوجي [الرسم البياني رقم ١].

أما عن رأي العامة المحافظة حول استخدام "المثلية الجنسية" كمصطلح مبادل، للسدومية او اللواط والسحاق، فهو رأي متصف بالرفض الجذري، لأن مصطلح "المثلية الجنسية" هو اختيار أو مرض وبدعة قام بحيكها المفسدين الذين يسعون مثابرين على دأب مشين للفساد، من غير كلل ولا ملل، وذلك في محاولة منهم "لاستحسان" الرذيلة وتطبيعها، وإنه لأثر من أثار التغريب الحاصل على شبابنا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وتأثرهم بالثقافات الغربية وغيرها. فالمثلية الجنسية إذن هي تعبير مستحدث ووسيلة لتطبيع القاذورات الجنسية الغير فطرية بين أفراد الجنس البيولوجي الواحد، هو نفسه الذي نعنيه باللواط والسحاق أو السدومية ولكنه لقب مستحدث في هدفه التطبيع والتضليل.

ما هو المفهوم الصحيح للمثلية الجنسية؟

المثلية الجنسية هي نمط خلقي وظاهرة طبيعية بيولوجية من صنع الله وإرادته والتي أبدعها في كثير من خلقه. هي الظاهرة الجنسية والعاطفية والحياتية التي أوجدها الله في الطبيعة من خلقه وتتصف بميول جنسي بين بعض أفراد الجنس البيولوجي الواحد وجنسهم المماثل، كاشتهاء جنسي فطري بين الإناث والإناث أو الذكور والذكور. هذا النمط الحياتي المثلي هو نمط أوجده الله تعالى في الإنسان وفي غيره من مئات التنوعات أو الأصناف الحيوانية. المثلية الجنسية ليست اختيارا يقرره الأشخاص أو الأفراد وهي ليست مرضا، اضطرابا فطريا، شذوذا أو انحرافا، بالنفس الطريقة التي لا نعتبر فيها المغايرة الجنسية على أنها اختيار، مرض، فسوق أو اضطراب. هي ليست ظاهرة عقيمة ولو أنها كانت كذلك لانقرضت منذ ألاف السنين. هي ظاهرة تنقسم إلى عدة أنواع ، فأما عن طبيعة هذه الطبيعة الجنسية وأنواعها فسأقوم بتفسير مفصل لذلك في الجزء العلمي من هذا العمل.

هذا التعريف للمثلية الجنسية، على أنها طبيعة فطرية  أزلية شرعها الله في كثير من خلقه، لا تتصف بالعقم وليست بالمرض، أو الاضطراب أو الفسوق أو الانحلال، هي الظاهرة التي يسعى هذا العمل إلى الحث على وجوب تحليلها. هي ظاهرة لا بد للشريعة الإسلامية من الاعتراف بها وحمايتها وإنصافها والإحتفال بها لأن ذلك هو إرادة الله الحتمية في الكثير من عباده، ولله في خلقه شؤون.

ما الفرق بين  المثلية الجنسية واللواط/السحاق (السدومية)؟

الفرق الرئيسي بين [المثلية الجنسية] و[اللواط والسحاق أو السدومية] هو أن الأولى هي ظاهرة جنسية طبيعية وخلق حياتي من إرادة ومشيئة الله وليست باختيار الشخص أو بشذوذ وانحراف أو بمرض بيولوجي ونفسي أو باضطراب فطري، والثانية هي فعل جنسي اختياري يقوم بفعله البعض خارجا عن الشريعة الإسلامية وقد يكون هذا الإختيار السدومي خارجا عن فطرة البعض، أو ما سألقبه بسدومية غير فطرية (عندما يقدم على فعله مغايري الجنس)، وقد لا يكون خارجا عن فطرة البعض الأخر أو ما سألقبه بسدومية فطرية (عندما يقدم على فعله مثليي الجنس). ما الذي أعنيه بسدومية فطرية وسدومية غير فطرية؟ وهل هذه هي تعابير مناسبة؟ هذا ما سأوضحه بتفصيل أكثر في الفقرات التالية.

هناك أيضاً فرقا آخراً يميزالمثلية الجنسية عن اللواط والسحاق أو السدومية وهو أنه المثلية الجنسية هي ظاهرة غير معترف بها في أوساطنا العربية والإسلامية كما هو معترف بغيرها (كالمغايرة الجنسية)، ولا مكان لها في مفاهيمنا الثقافية والدينية، وهي ظاهرة غير موجودة بتفرد واستقلالية عن مفهوم اللواط والسحاق بل متشابكة بهما، وهذا بلا شك أدى الى  تعقيد فهمها وتحليلها.

ما هي السدومية الغير فطرية؟

 اللواط والسحاق أو السدومية بشكل عام، كما نعيهم ونفهمهم، هم للأكثرية "إختيارات" يقوم بها المغايرين الجنسين خارجا عن فطرتهم ورغما عن ميولهم الجنسي للجنس البيولوجي الآخر. يقوم هؤلاء الأشخاص من مغايري الجنس بتلك الأعمال السدومية لعصيان منهم لله وأوامره، أو لعدم توفر المنفذ الجنسي لهم مع الجنس الآخر من حولهم، لظروف وأحكام تسنها عليهم مجتمعاتهم المحافظة أو غيرها، أو لوجودهم في عزلة عن الجنس الآخر، ككونهم في سجن غير مختلط، أو لغيره من الأسباب. المهم هو أن هذه الأعمال الشائنة هي أعمال يقوم الإنسان المغاير باختيارها "رغما" عن برمجته الجنسية لاشتهاء بني جنسه الآخر، وهذا ما أعنيه بالسدومية الغير فطرية، أو ما هو شائع عن المفهوم العام لمصطلح اللواط والسحاق والمنبثق من الإيمان بعدم وجود ظاهرة جنسية فطرية مثلية، فلا فطرة في السدومية. لأن الفطرة الجنسية "المتوحدة الوجود" في هذا الكون لجميع مخلوقات الله الحيوانية، كما تعيها وتعهدها الأغلبية، هي بالميول الجنسي المغاير بين الأشخاص أو الأفراد، وهي سنة الله في خلقه والطريقة الوحيدة التي استودعها الله لاستمرار الحياة على هذه الأرض، وخاصة لاستخلاف الإنسان فيها. ومن هذا المنطلق إذن، فإن كل الناس هم مغايري الجنس في خاصيتهم الجنسية الفطرية وأن هناك طريق جنسي شرعي وحيد أمامهم ألا وهو بالزواج الشرعي المغاير [الرسم البياني رقم ١]. ولكن البعض يختار أن يقوم بالممارسات الجنسية مع الجنس الآخر وخارجا عن الحلال والذي نسميه بالزنى، والبعض يختار الممارسات الجنسية مع غيره من نفس الجنس البيولوجي وخارجا عن فطرته وعن الحلال والذي نسميه باللواط (السدومية الغير فطرية). فكلا من الزنى واللواط هنا هما اختيارات محرمة يقوم بها مغايري الجنس، وكلاهما حرام، ولكن الفرق أن الزنى هو ناتج عن طبيعة جنسية فطرية وأن اللواط ناتج عن اختيارات محرمة غير فطرية.



 

قد يكون هناك أشخاص مغايري الجنس ينتمون بالفعل لفئة السدومية الغير فطرية، أي أنهم حقاً مغايري الجنس إلا أنهم يقوموا بالأفعال الجنسية مع جنسهم البيولوجي المماثل لأن هذا هو كل ما هو متوفر لهم، أو لأسباب عصيانية أخرى. كم عدد هؤلاء الأشخاص ونسبت وجودهم، لا أعلم بالتحديد، ولكن لا بد أن يكون عددهم ونسبتهم قليلة نسبيا ومعتمدة على الظروف المحيطية بالشخص. لأنه في غالب أحوالنا ومحيطاتنا، ومع كل محافظتنا وحرصنا على أن لا تحدث هذه الأمور، إلا أن الباب ما يزال مفتوحا وواسعا للعمل الجنسي بين الجنس والجنس المغاير له وخارجا عن الإطار الشرعي لمن أراد ذلك، وبناء على ذلك، فلا يوجد سبب مقنع لمغايري الجنس بالوقوع في هذه الأعمال الجنسية  مع بني جنسهم البيولوجي، بكل ما تحويه الفكرة من اشمئزاز فطري لهم، إذا كان بإمكانهم أن يفعلوه مع الجنس المغاير والذي تتطلبه طبيعتهم (إلا كمنفذ أخير وفي حالة عدم توفر ذلك، كالتواجد في السجن الغير مختلط وغيره وعدم صبرهم على أن لا يمارسوا الجنس). ولكنني سأفترض هنا، بل سأقر وإياكم، أن هناك أناس يقومون بالأفعال الجنسية مع بني جنسهم المماثل رغما عن فطرتهم المغايرة (السدومية الغير فطرية)، ولكنهم ليسو قضيتي وليسوا من الذين أدافع عنهم.

العلاقة النسبية بين المغايرة الجنسية واللواط/السحاق




أخبرتكم أن مفهوم المثلية الجنسية هو مفهوم غير موجود كمفهوم مستقل في أوساطنا وإذا حاولت أن تضعها في مكانها الصحيح والمناسب مع العلاقات  الجنسية التي تناظرها أو تتناسب معها من ناحية القياس العقلي والعلمي واللغوي، كما نستطيع أن نفعل ذلك في اللغة الإنجليزية مثلا، تجد أنه لا مكان لها كمفهوم مستقل عن مفهوم اللواط/السحاق أو السدومية الغير فطرية! فما ندركه هو ثلاثة مصنفات جنسية فقط، المغايرة الجنسية، وهي الطبيعة الفطرية في كل البشر والتي يمارسها الإنسان في ضمن المنظور الشرعي فقط، والزنى، وهو الممارسة الجنسية المغايرة الإختيارية خارجا عن المنظور الشرعي ولكنها لا تزال ممارسات جنسية في ضمن الفطرة، واللواط والسحاق أو السدومية الغير فطرية، وهي الممارسات الجنسية الإختيارية من أي نوع بين الجنس البيولوجي ومثيله وهي ليست في ضمن الفطرة ولا مكان لها في المنظور الشرعي إلا من باب الترهيب والعقاب. فالمغايرة الجنسية هي الأصل أو المصدر الجنسي المبرمج في المخلوقات (الظاهرة الطبيعية المتوحدة الوجود في الغريزة الجنسية) والزنى واللواط هما فعلين جنسيين إختياريين خارجين عن النطاق الشرعي (ظواهر جنسية اختيارية مشتقة من الأصل أو المصدرالجنسي)، أحدهما هو فعل طبيعي في ضمن الفطرة ولكنه محرم لخروجة عن القوانين الشرعية التي تحكم المسلمين (الزنى)، والأخر هو فعل غير طبيعي وخارجا عن الفطرة والشرع (اللواط) [الرسم البياني رقم ١]. وبناء على ذلك، فاللغز الذي طرحته في [الرسم البياني رقم ٢]، والمركب على شكل سؤال من أسئلة الذكاء في المقارنة، لا يحمل أي وزن هنا (فالعلاقة النسبية تتطلب أربعة ظواهر للمقارنة، أصلين [أو مصدرين] ومشتقتين [أو فرعين]، بطريقة تجعلنا قادرين على إيجاد علاقة نسبية تربط الأصل الأول بالمشتقة الأولى مع الأصل الثاني بالمشتقة الثانية، ولذلك فإن لدينا أربعة فراغات).  فعلى سبيل المثال. نقول أن الماء بالنسبة للإنسان الحي هو كالمحروقات البترولية بالنسبة للسيارات التي تسير على المحروقات البترولية. لدينا في هذا المثال أصليين للمقارنة، الماء والمحروقات البترولية، وفرعين أخرين، الإنسان الحي والسيارات. فما العلاقة التي تربط الإنسان الحي بالسيارات البترولية الغير حية في هذا المثال؟ هي علاقة نسبية، إذ أن حياة الإنسان غير ممكنة من دون ماء، بنفس الطريقة التي تجعل السيارة البترولية عقيمة من دون محروقات بترولية.

ما هو موجود لنا في مفهومنا الحالي عن الفطرة الجنسية هو ثلاثة ظواهرفقط، منها أصل أو مصدر واحد (المغايرة الجنسية) وفرعين أو مشتقتين اثنتين (الزنى واللواط).  تخيل مثلا أن مثال الماء والبترول أعلاه كان ينقصه المحروقات البترولية بطريقة يكون لدينا فيها مصدرا واحدا فقط (الماء) ومشتقتين اثنتين (الإنسان الحي والسيارات). هل تستطيع أن توجد العلاقة النسبية بين هذه الثلاثة؟ إذا حاولت فستكون كالأتي: الماء بالنسبة للإنسان الحي هو كالماء بالنسبة للسيارات. هذه العلاقة بشكل أكيد هي غير صحيحة ولا تقبلها مسامعنا لأن السيارات البترولية لا تسير على الماء، وينقصها المصدر الرابع لكي تكون علاقة موزونة قيمة (المحروقات البترولية). ما السبب؟ لأن الماء والبترول ومع أنهم يشتركون في الوظيفة العملية في هذا المثال (مقومات أساسية للحركة والحياة) الإ أنهم على اختلاف جذري في طبيعتهم، فلا الماء يصلح لتسيير السيارات البترولية ولا البترول يصلح للحياة كبديل عن الماء.

دعونا الأن وبنفس الطريقة أن نجد العلاقة النسبية الجنسية بين الظواهر الجنسية الثلاثة التي نعهدها (المغايرة الجنسية والزنى واللواط/السحاق)، ما رأيك، هل نستطيع؟ إذا حاولنا أن نستنتج العلاقة النسبية وأن نملئ الفراغات الأربعة بناءً على مفهومنا الحالي الذي يرفض الطبيعة المثلية، فإن صياغة العلاقة النسبية سيظهر على الشكل الآتي: الاختيارات الجنسية المغايرة الخارجة عن نطاق الزوجية (الزنا)  بالنسبة للمغايرة الجنسية هي كالعلاقات الجنسية المثلية بكل أنواعها بالنسبة للمغايرة الجنسية. أو بشكل مختصر أكثر، الزنا بالنسبة للمغايرة الجنسية هو كاللواط بالنسبة للمغايرة الجنسية. هذا بالطبع يشكل مشكلة لأن الزنا واللواط هما مفهومين على اختلاف جذري من بعضهما، فالزنا في مفهومنا ما يزال أمرا في ضمن الفطرة الجنسية المغايرة عند الإنسان الا أنه ممنوع شرعيا، ولكن اللواط في مفهومنا هو ليس فقط ممنوع شرعيا بل أيضاً خارجا عن الفطرة في المغايرة الجنسية (فكيف لنا إذا أن ننسبه الى المغايرة الجنسية "الفطرية" بنفس الطريقة التي ننسب الزنا اليها؟ كيف لنا أن ننسب الماء للسيارات بنفس الطريقة التي ننسب بها الماء للإنسان؟). وبناء على ذلك، فالعلاقة النسبية للزنى واللواط لا يمكن أن تؤدي الى نفس المصدر(المغايرة الجنسية) ولإتمام الوزن والقياس العقلي لهذه العلاقة النسبية ولكي تكون العلاقة متساوية وقيّمة فنحن بحاجة الى مفهوم رابع آخر. نحن بحاجة الى مفهوم لا يتناسب فقط مع مفهوم المغايرة الجنسية والزنا، بل أيضاً مع مفهوم "اللواط والسحاق". إن هناك لثمة مفهوم من شأنه أن يحل هذا اللغز، ألا وهو مفهوم المثلية الجنسية الذي لطالما كان مفقودا في فهمنا وثقافاتنا. في هذه الحالة، المغايرة الجنسية والمثلية الجنسية هما في نفس المرتبة (المصدر أو الأصل) إذ أنهم يشتركان في المعنى على أنهم ظواهر جنسية فطرية يمتلكها الأفراد، والزنا واللواط هما أيضاً في نفس المرتبة إذ أنهم يشتركان في المعنى على أنهم أفعال اختيارية يقوم البعض باختيارها رغما عن طبيعتهم المغايرة في حالة الزنا أو رغما عن طبيعتهم المثلية في حالة اللواط، وهذا يُمكننا من أن نناسبهم ببعضهم بشكل متوازن. وبهذا، فإن العلاقة بين المغايرة الجنسية (الأصل الأول) بالنسبة للزنى (المشتقة الأولى) هي كالعلاقة بين المثلية الجنسية (المصدر الثاني) بالنسبة للواط/السحاق (المشتقة الثانية). فالمغايرة الجنسية بالنسبة للزنا هي كالمثلية الجنسية بالنسبة للواط/السحاق (هذا هو تفسير اللغز الذي طرحته في الشكل البياني رقم ٢).

ولكن كما سأوضح في الفقرات القادمة، ومع أن هذه العلاقة النسبية الأخيرة هي علاقة أكثر اتزانا وعقلانية لتبيين العلاقة بين المغايرة الجنسية والمثلية الجنسية والزنا واللواط/السحاق، إلا أنها علاقة غير مؤهلة لوصف الحقيقة.

وداعا للمفردات الآتية: اللواط، السحاق، والسدومية

الذي كان "من المفترض" أن نعنيه عندما نتحدث عن اللوطيين والسحاقيات، هو أولئك المغايريين الجنسيين الذين يقومون باختيار عمل اللواط وبمخالفة عن فطرتهم (السدوميين على غير فطرة) لأسباب أوضحتها أعلاه، وليس عن أولئك الذين خلقهم الله ليكونوا مثليي الجنس، وهذا ليس الواقع، إذ أن هذه التعابير نطلقها على كل ما هو متعلق بالمثلية الجنسية من غير التفريق بين أنواعها (لأن كل الأفعال السدومية هي سواء بمنظورنا وغير فطرية). ولكن حتى استخدامي لعبارة "من المفترض" في الجملة السابقة هي عبارة غير دقيقة لأن استخدامنا لكلمة لواط، سحاق، أوسدوميين، هو استخدام لا يجب علينا القيام به على وجه الإطلاق، إلا فقط للإشارة الى التاريخ اللغوي لاستخدامها وتطورها وما كان مقصودا منها، كقولنا مثلا أن العرب استخدموا هذه الكلمات في الماضي للإشارة الى المثلية الجنسية. أما بشكل حضاري في هذا الوقت، فإنه يجب علينا أن نحذفها بشكل كلي عند الإشارة الى أي ظاهرة أو فعل جنسي، وعلينا أن تستبدلها بعبارات دقيقة وأكثر عقلانية وحساسية بالموضوع وهذا ما سأفعله في الفقرات التالية.

أنا أقررت وإياكم بظاهرة "الإختيار" للقيام بالأعمال الجنسية المثلية عند "البعض" رغما عن ميولهم الفطري المغاير وبوجود هذه الظاهرة، ولكني لن أسميها لواطا أو سحاقا أو سدومية غير فطرية بل سأسميها إسما أخر. لن أسميها "لواطا" بين الذكور، لأن هذه الكلمة مليئة بالإساءة ليس فقط لسيدنا لوط عليه السلام، بل أيضاً للمثليين الجنسيين (الذين فطرتهم هي مثلية) لما تعتريه من إهانة وشوائب ولما حمّلناها من معان تشير الى اعتداءات جنسية على الأطفال ومن ممارسات جنسية مع الدواب، وغيرها من الخساسة في مفاهيمنا الثقافية. كلمة لواط أيضاً هي كلمة مأخوذة عن اسم سيدنا لوط ولا تشير بدقة الى المعنى المراد من استخدامها، فلم يستخدمها الله بالإشارة الى الأفعال الجنسية المثلية في القران ولم يستخدمها نبيه في الصحيح من سنته.  ولن أسميها "سحاقا" بين الإناث لأن كلمة سحاق هي أيضاً كلمة تسيء للمثليات جنسيا (اللواتي هن على فطرة جنسية مثلية) ولما ربطناها في المعنى مع الرذيلة، وهي أيضا كلمة لم يذكرها الله في القران ولم يستخدمها النبي في الصحيح من سنته. ولن أسميها "سدومية" لفقر المعنى المراد من تلك الكلمة والعجز عن الدلالة الصحيحة لها كظاهرة علمية فطرية وغيره. فالاقتراح باستخدام كلمة سدومية للإشارة الى الأفعال الجنسية بين بني الجنس البيولوجي ونفسه هو محاولة فاشلة لحفظ اسم سيدنا لوط عليه السلام من التلوث، وللإشارة الى عمل قوم قرية سدوم التي أرسل لها سيدنا لوط عليه السلام. إذ أن أهل سدوم لم "يسبقهم" بهذا الفعل أحد من العالمين، فتُرجم كلام الله في القران الكريم الى الدلالة على أنهم أول من قام بهذه الأفعال الجنسية المثلية في التاريخ البشري. وبناء على ذلك فإن البعض يفضل الإشارة لهذا الفعل باسم قريتهم بدلا من اسم سيدنا لوط عليه السلام. ولكن، عمل قوم سيدنا لوط لم يكن مقتصرا على "اللواط" بل ذكر الله عدة من أفعال أخرى كانوا يقترفونها ولم تكن لها علاقة بالجنس، بالإضافة الى أنهم لم يكونوا السباقين لهذا العمل كما سأشير اليه لاحقا وسأدلل على ذلك أيضاً من القرأن. إذا، ما هو الإسم المرادف لكلمة لواط، سحاق، أو سدومية الذي أقترحه وسأقوم باستخدامه؟

السدومية الفطرية واستخدام تعبير "الزنى المثلي" كبديل للواط/السحاق/السدومية

الإسم الذي سأسمي فيه الأشخاص المغايرين الذين يقترفون الأفعال الجنسية مع بني جنسهم البيولوجي وخارجا عن فطرتهم (والذي أشرت له باسم السدومية الغير فطرية في الفقرات السابقة لأنه مع نفس جنسهم البيولوجي وخارجا عن فطرتهم المغايرة)، وهو نفس الإسم الذي سأعطيه للمثليين الجنسيين في ظروف محددة (بالتحديد، خارجا عن نطاق الزواج الشرعي المثلي عند الإعتراف به في الشريعة الإسلامية، وهذا هو ما أقصد به عند قولي "سدومية فطرية" لأنه وبغض النظر عن تحليل أو تحريم هذا التنوع من "السدومية" واعتماده بشكل كلي على التحليل الشرعي للزواج المثلي، إلا أنهه في النطاق الفطري للمثليين جنسيا)، هو "الزنى المثلي". فكلمة زنا هي كلمة مذكورة بالقران وهي بذاتها لا تعني الأعمال الجنسية بين رجل وامرأة، بل أعمال جنسية خارجة عن ما هو مسموح به في الشريعة الإسلامية وفي ضمن العلاقات الزوجية الشرعية، والدلالة على ذلك هو أننا أيضاً نستخدم كلمة زنا للإشارة الى ظواهر أخرى، كتعبيرنا "زنا الجوارح" (أو الاستمناء ولن أتحث هنا عن تحليله وتحريمه لانه ليس قضيتي). فالزنا المثلي في هذه الحالة، على عكس ما سأسميه "الزنا المغاير" هو عندما يأتي الشخص (المغاير أو المثلي، ذكرا أو أنثى، بكرا أو محصنا) الأعمال الجنسية المثلية خارجا عن الإطار الشرعي بذلك. والزنا المغاير، هو عندما يأتي الشخص (المغاير أو المثلي، ذكرا أو أنثى، بكرا أو محصنا) الأعمال الجنسية المغايرة خارجا عن الإطار الشرعي بذلك. ونعم، فكما أن الشخص المغاير قد يقوم بالزنا المثلي لظروف معينة نوهت اليها سابقا، كوجوده في سجن غير مختلط ولعدم القدرة على الصبر، فإن الشخص المثلي أيضا يستطيع القيام بالزنا المغاير لوقوعه تحت ظروف معينة، كممارسة الجنس مع الجنس الآخر ليقنع نفسه مثلا أنه ليس بمثلي، وهذا أمر حاصل.

العلاقة النسبية بين التعابير الآتية: المغايرة الجنسية، المثلية الجنسية ، الزنا المغاير، والزنا المثلي

هنالك علاقتين نسبيتين أساسيتين نستطيع أن نعبرعنهم:

١. العلاقة النسبية الأولى (علاقة فطرية): المغايرة الجنسية بالنسبة للزنا المغاير، هي كالمثلية الجنسية بالنسبة للزنا المثلي

٢. العلاقة النسبية الثانية (علاقة غير فطرية): المغايرة الجنسية بالنسبة للزنا المثلي، هي كالمثلية الجنسية بالنسبة للزنا المغاير

فكلا العبارتين (المثلية الجنسية والمغايرة الجنسية) هما ظاهرتين (أصول) للتعبير عن بيولوجية جنسية فطرية أوجدها الله في الخلق، وكلا التعبيرين (الزنا المثلي والزنا المغاير) هما اختيارات وأفعال محرمة (مشتقات) يقوم البعض بارتكابها خلافا للشريعة الإسلامية، بعضها فطري (كالزنا المغاير للمغايرين جنسيا، وكالزنا المثلي للمثليين جنسا، ومعبر عنها في العلاقة النسبية الأولى) وبعضها غير فطري (كالزنا المثلي للمغايرين جنسيا، وكالزنا المغاير للمثليين جنسيا، والمعبر عنها في العلاقة النسبية الثانية. [انظر الى الرسم التوضيحي رقم ٣ أدنا].



استيعاب المثلية الجنسية كظاهرة خلقية على حياة الفرد والمجتمع

ولكن هذا التصنيف الذي يستوعب المثلية الجنسية كظاهرة مرادفة للمغايرة الجنسية يشكل اضطرابات شرعية في هذا الوقت الحالي علينا أن نتطرق اليها. فمثلا، هل هذا يعني أن المثليين الجنسيين الذين تزوجوا زواجا مغايرا لإرضاء الذين حولهم أو لرضوخهم لضغوطات أخرى، هم يمارسون الزنا المغاير رغما على أن ما فعلوه هو ما تحث عليه الشريعة الشريعة الإسلامية في منظورها الحالي للطبيعة الجنسية؟  هل هذا يعني أن المثلية الجنسية هي حلال ولكن الزنا المثلي هو حرام؟ ولكن إذا كان الأمر كذلك، فما البديل للزنى المثلي؟ هل هذا يعني أن  العلاقات المثلية  جميعها، خاصة لأن الزواج الشرعي المثلي ليس معترف به من منظور شرعي في هذا الوقت، هي علاقات  محرمة في الشريعة الإسلامية؟ وغير ذلك الكثير من التساؤلات. إن عملي هذا هو خطوة أولية لشق طريق التحليل للمثلية الجنسية، وواجبي أن أوضح الأمور، ولكن هنالك الكثير من العمل أمامنا، ولذلك أدعوكم لمساندتي بالذي تستطيعونه من دعم معنوي وبمشاركة فعالة. إن علينا، ليس فقط، أن نوضح الطريق الشرعي لتحليل المثلية الجنسية، بل أيضاً التطرق الى كل الأمور الفقهية والشرعية التي يضطرنا اليها ذلك التحليل من عبادات ومعاملات ومن جزئيات وكليات. أنا أخبرتكم في المقدمة أن نحن هو الطريق وتوضيح مكاننا الشرعي في الدين الإسلامي هو واجب على الجميع، ولم أسرد ذلك ككلمات عابرة.  نحن فعلا هو الطريق وهو بحاجتنا لكي نشقه (الحث على تحليل المثلية الجنسية) وكتابي هذا هو خطوة أولية لذلك، وأيضا الى تعبيده وإضاءته (التطرق لجميع احتياجاته وتفاصيله وكيفية مزجها مع بقية النسيج الإجتماعي العربي والمسلم).

أنا شخصيا لا أعتقد أن الأعمال الحالية التي يقوم بها المثليين في المجتمعات الإسلامية كالزواج المغاير أو الجنس الخارج عن نطاق المفهوم الحالي في الشريعة الإسلامية هي أفعال محرمة لأنهم على اضطرار الى ذلك (وهذا ليس من منطلق أن الضرورات تبيح المحظورات، لأنه لا يجب للعديد من هذه المحظورات أن تكون كذلك أساسا بل يجب أن تكون من المحللات). إذا كان هناك حرام حاصل في الممارسات الجنسية المثلية التي لا سبيل لها الآن في الزواج الشرعي المثلي في الشريعة الإسلامية، لأن علمائنا لا يعترفون به حاليا، هو يتحمل حمله وثقله وأوزاره علماء الأمة الإسلامية لوحدهم حتى يصلوا الى مشيئة الله بتحليل المثلية الجنسية وأن يشرعوا الطريق الشرعي الى ذلك. إذا كان علمائنا وفقهائنا تهمهم أمور الحلال والحرام، وأنا أؤمن بأنهم كذلك وأن نيتهم هي حسنة ونابعة من مكان صادق، فإن واجبهم الشرعي هو إعادة النظر في القضية والى تحليل المثلية الجنسية. ولكن حتى ذلك الوقت، كيف بنا أن نطلب من المثليين الجنسيين بأن لا يمارسوا الجنس المثلي، الأمر الذي فطرهم الله عليه، وخاصة أنه لا سبيل لهم الى منفذ جنسي آخر كالزواج المثلي الشرعي في هذا الوقت؟ إذا كان علمائنا وفقهائنا هم من الذين تهمهم إرادة الله في الكون وفي الحلال والحرام، فلا بد لهم من تحليل المثلية الجنسية والتطرق الى جميع الأمور الشرعية التي سيتناولها ذلك التشريع. المثليين الجنسيين هم مخلوقات أرادها الله أن تكون كذلك وعلى الشريعة الإسلامية الإعتراف بهم، وحمايتهم، وإنصافهم في القوانين الشرعية وفي الحقوق والمعاملات كما ينصف غيرهم من المغايرين الجنسين، كالسماح لهم بالزواج الشرعي المثلي، وبالتبني وغيره الكثير. هذه هي الطريقة التي نحافظ فيها على تكوينة المجتمعات الإسلامية وبقائها ورقائها، وليس بمخالفة إرادة الله ومشيئته والقوانين الإلاهية في هذا الكون.

وبهذا فأنا أكون وضعت حجر الأساس الأول الذي سأبني عليه ما تبقى من هذا العمل والذي من شأنه أن يوضح الطريق الشرعي لتحليل المثلية الجنسية.



قاعدة الأساس الثانية: المصادر الشرعية في تحليل المثلية الجنسية

عند الشروع في تحليل أي قضية أو تحريمها في ضمن الشريعة الإسلامية فإن هناك أمرا أساسيا لا بد من أخذه بعين الاعتبار، ألا وهو الصلاحية في المصادر الشرعية التي نستخدمها وصولا إلى ذلك الحكم. فدعوتي إلى وجوب التحليل الشرعي للمثلية الجنسية في ضمن الإطار الشرعي الإسلامي هي أيضا كذلك دعوة مبنية على مصادر التشريع الإسلامي، فما هي تلك المصادر وما صلاحيتها وما الأولوية باستخدامها؟ توضيح ذالك هو قاعدة الأساس الثانية التي سيتركز عليها هذا العمل.

كوني الأول تصدراً الى هذه الدعوة الإباحية في نطاق القوانين الشرعية المعهودة للشريعة الإسلامية والتي تبدو للأغلبية العظمى على أنها تحرم المثلية الجنسية تحريما قطعيا لا جدل فيه، وأنه من الإستحالة حتى التخيل، بل إنه من الجنون، أن يكون هنالك سبيلا شرعيا متينا لتحليل القضية، لا يعني آنني على خطأ. يقال لي كرا وتكرارا أنني لا بد أن أكون مجنونا لأن الحلال بيّن وأن الحرام بيّن وأن المثلية الجنسية هي محرمة على وجه الإطلاق. الحلال فعلا بين والحرام فعلا بين ولكنني أقول بأن الآية معكوسة في هذه القضية. إذن، أنا أقول وهم يقولون، فمن هو القاضي ومن هو الحكم؟ القاضي في هذه القضية في الشريعة الإسلامية وفي كل القضايا الشرعية الأخرى هو المصادر التشريعية الإسلامية التي يستمد منها المسلمون منهجهم الحياتي والتي سأبينها هنا بشكل سريع. يقال لي أيضا أنه من أنا لكي أصدر الفتاوي الشرعية من تحليل أو تحريم،  وأنا قلت وسأقول بأن دعوتي الى وجوب التحليل هي ليست تحليلا بذاته وإنما من شأنها أن تبين الأدلة الشرعية والعلمية الكافية والكفيلة بذلك التحليل وتبيانها لعلمائنا ومجتهدينا ولمن هم في منصب للإفتاء. أنا لست في منصب لإصدار الفتاوي لأنني لست في منصب للإفتاء، ولكنني في منصب للكشف عن الحقيقة الشرعية بدلالاتها وبراهينها والتي نحن على جهل منها في هذا الموضوع والباقي يقع على كاهل أولي الأمر منا من علماء وفقهاء ومجتهدين وضمائرهم وإنها لمسؤولية ثقيلة على أكتافهم. أنا على إيمان بأن علمائنا لم يضطرهم الأمر أبدا الى التعمق في هذا الموضوع لعدم وجود حاجة ماسة في نظرهم تضطرهم الى ذلك، لأن ما لديهم من أدلة بدا واضحا بتحريم القضية بشكل قطعي ولم يتحداهم بذلك أحد. ولذلك فأنا سآخذ موقفهم هذا بالتحريم على أنه سوء تفاهم بيننا. ولكن الحاجة الماسة الى التعمق في هذه القضية هي حاجة موجودة ويعاني إثر تجاهلها الكثيرين. إنه واجبي كإنسان وقع ضحية لهذه الجهالة بأن أبين حقيقتها لعلمائنا وغيرهم بعد أن بينها الله لي آملا من الله أن يهديهم الى الطريق الصحيح وأن يؤدي بهم المطاف الى إصدار الفتوى الشرعية المنشودة في تحليل المثلية الجنسية، فتلك هي إرادة الله وإدراكها هو الهدف الذي يسعى من تحقيقه التشريع الإسلامي.

فإذا كانت المصادر الشرعية هي الحَكَمُ في هذه الأطروحة الشرعية،  لا بد إذن من التمعن بالأدلة الشرعية المستخدمة في التحريم الحالي للمثلية الجنسية والتأكد من صلاحيتها والأولوية باستخدامها ومقارنة ذلك بالأدلة الشرعية التي سأقدمها إسنادا لما آدّعيه من وجوب للتحليل الشرعي للمثلية الجنسية وصلاحية تلك الأدلة وأولويتها. فما هي مصادر تلك الأدلة التي سأستخدمها في الدعوة الى وجوب هذا التحليل؟ هي نفسها المصادر المتفق عليها المستخدمة في تحريم القضية، ولكنّ الفرق هو بأن أدلتي هي الأقوى وتتماشى مع العقل والدين، وهي من المصادر الأولية الصحيحة في التشريع، على اختلاف شاسع مع النظير، إذ أن الأدلة التي يتم استخدامها للتحريم هي أدلة ثانوية ضعيفة، مدعومة بشكل غير مبرر بالمصادر الأولية، وليست ذو وزن ثقيل بل إنها من القيل والقال وذلك على أفضل  وجه لها!

حسنا، لقد نوهت لكم للتو بأن هناك مصادر أولية رئيسية في التشريع الإسلامي، وأخرى ثانوية. وهناك أيضاً مصادر متفق عليها مع إجماع علماء الأمة الإسلامية، وأخرى مختلف الأخذ بها كمصادر للتشريع. سأبدأ بتعريفي لمصادر التشريع المتفق عليها والغير متفق عليها أولا ومن ثم سأتطرق الى المصادر الأولية والمصادر الثانوية ثانيا. سأقوم  بعدها بترتيب هذه المصادرالتشريعية بطريقة أخرى أكثر قربا للعقل والمنطق وسأختم حجر الأساس هذا بسرد توضيحي للمصادر الشرعية التي سأستخدمها في دعوتي لوجوب التحليل الشرعي للمثلية الجنسية.

ماذا نعنيه بمصادر التشريع وما هدفها؟

الذي نقصده بمصادر التشريع الإسلامي بشكل مختصر هو وسائل المعرفة الشرعية التي نسعى من خلالها للوصول الى إرادة الله في الأحكام الشرعية في كل أمورنا من عبادات ومعاملات، وبذلك فإن تحقيق إرادة الله ورضاه هو الهدف الذي يسعى كل حكم شرعي الى تحقيقه. مثلا، هل بتحريم المثلية الجنسية إدراك لمشيئة الله وإرادته ورضاه؟ هناك بالطبع أحكام واضحة فيها إرادة الله وليست بحاجة الى استنباط، ولكن هناك أحكام ليست واضحة فيها إرادة الله ولذلك فهي بحاجة الى استنباط أو ما نسميه بعملية الاجتهاد. الاجتهاد إذن هو بذل الجهد لإستنباط الأحكام الشرعية في القضايا الدنيوية سعيا وراء تحقيق الإرادة الإلهية منها واستدلالا بالمصادر التشريعية المقررة (سأذكر هذه المصادر في الفقرة القادمة) والتي سخرها الله لنا وهي مسؤلية على علماء أصول الفقه وعلماء الدين التكفل بها بما يرضي وجه الله. الإجتهاد هو وسيلة مهمة أودعها الله لعلمائنا لأن الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية هي خاتمة للشرائع الإلهية كلها وهي صالحة لكل زمان ومكان ولا بد أن تستوعب جميع التجددات والتغيرات المستقبلية والعلمية وغيرها وأن تكون قادرة على تنظيم المجتمع بطريقة تتناسب مع كل المستحدثات بما يرضي الله وذلك حاصل من خلال عملية الإجتهاد التي سخرها الله لنا. إنظر الى الرسم البياني رقم ٤ لإلقاء نظرة سريعة عن الميكانيكية التي تحدث فيها عملية الإجتهاد.

مصادر التشريع المتفق عليها والغير متفق عليهافي التشريع الإسلامي

يستطيع الباحث أن يجد ما يبتغيه أو تبتغيه من معلومات عن مصادر التشريع الإسلامي في الكتب الفقهية وخاصة في كتب أصول الفقه وغيرها، وهنالك أيضا كم هائل من المعلومات حول هذا الموضوع على شبكت الإنترنت. ولأسباب التطرق الى مصادر التشريع الإسلامي في هذا العمل فلقد قمت بسردها وتلخيص بعضها في هذا الجزء بالإستعانة بكتاب "أصول الفقه" لفضيلة الشيخ عبد الوهاب خلاف رحمه الله ١٣٠٥-١٣٧٥هـ / ١٨٨٨- ١٩٥٦م، وأيضاً بالرابط الإلكتروني للشيخ الدكتور سعيد بويزري على رابطه الإلكتروني www.bouizeri.net.

أما عن المصادر المتفق عليها عند جمهور علماء السنة والجماعة وأولويتها بالتشريع، فهي أربعة:

 ١. القران الكريم: وهو كلام الله حرفيا الذي نزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (عن طريق الوحي جبريل عليه السلام) منجما (مفرقا على مراحل متعددة) باللفظ العربي بإعجاز رباني في فصاحة ألفاظه وبلاغة عباراته والذي نقل إلينا بالتواتر (رواه جمع ثقة عن جمع ثقة لا يمكن توافقهم على الكذب أواتفاقهم على سوء الفهم) والمتعبد بتلاوته (قراءته هي عبادة)  والمكتوب بالمصاحف والمبتدأ بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس وهو كلام الله المعجزة الذي حفِظه من التحريف حيث قال الله "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [سورةالحجر، الآية 9]. قد أجمع جميع المسلمين على حجيته ووجوب الأخذ بجميع أحكامه وماورد فيه واستخدامه ولذلك فهو متفق عليه كمصدر تشريع آولي ولا يذهب المجتهد الى غيره من مصادر التشريع إلا إذا لم يوجد فيه حكم عن القضية المنشودة.  أما عن الأحكام التي وردت في القران فمنها ماهو قطعي ومباشر بأمر مباشر من الله ومنها ما هو ليس بأمر مباشر ولكن يستنبط حكمه من كلام الله. سأقوم بتفصيل أكثر حول القران الكريم وأنواع الأحكام فيه وما يحتويه من إعجاز قرآني وعلمي حول المثلية الجنسية وغير ذلك في الوحدة الأولى من الجزء الرابع من هذا العمل والذي موضوعه هو القران الكريم وما يخبرنا الله فيه عن المثلية الجنسية.

٢. السنة النبوية: وهي ما صدر عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير ولقد اتفق العلماء على أن السنة الصحيحة الثابتة التي صدرت عن رسول الله بقصد التشريع هي حجة على المسلمين، ومصدر تشريعي لهم متى ثبتت بطريق القطع أو غلبة الظن. فقال الله "...فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..." [سورة النساء، الآية 59] وقال تعالى "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا" [سورة الأحزاب، الآية 36]. فمن حيث الأولوية في التشريع، فإن السنة النبوية الصحيحة هي المصدر الرئيسي الثاني الذي يلجأ إليه المفتي آو المجتهد للوصول الى إرادة الله في حكم ما. فالقران أولا ثم السنة ثانيا وذلك في كل ما يطرح من سؤال أو قضية. سأقوم بتفصيل أكثر حول أنواع السنة من حيث ماهيتها وسندها وغير ذلك في الوحدة الأولى من الجزء الثالث من هذا العمل والذي موضوعه هو الأحاديث النبوية وما نستخلصه منها عن المثلية الجنسية.

 ٣. الإجماع: هو الإتفاق بالرأي بين جميع المجتهدين من المسلمين من جمهور العلماء في عصر من العصور بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على حكم من الأحكام الشرعية العملية الذي اجتهدوا فيه وليس فيه نص واضح من القران والسنة، ولكن إجماعهم لا بد أن يكون بسند أو دليل من كتاب الله وسنة نبيه. لا يختلف العلماء على استخدام الإجماع كمصدر تشريعي والدلالة على استخدامه كمصدر للتشريع الإسلامي هي مستنبطة من آيات عدة كقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..." [سورة النساء، الآية 59]. وقد فسر عدد من العلماء أن أولي الأمر بالشريعة الإسلامية هم علماء الدين والمجتهدين. فالأولوية في اللجوء الى مصادر التشريع حول قضية ما هي واضحة هنا في الذهاب للقران أولا وللسنة ثانيا ولأولي الأمر من أمتنا ثالثا، وعند عدم إجماع أولي الأمر أو عند نزاعهم حول موضوع ما، فعلى الأمة أن ترد الأمر الى القران والسنة.

٤. القياس: تعريفه في الفقه هو حَمْل فرع على أصل لعلة مشتركة بينهما، كالحكم بتحريم شراب مسكر (الفرع لأنه لا يوجد تحريم واضح لكل أنواع المسكرات) حملاً أو قياسا على الخمر (وهو الأصل لأنه يوجد تحريم واضح للخمر) لاشتراكهما في علة التحريم (وهي الإسكار لأن الخمر وأي شراب مسكر آخر يؤدي شرابهم بإفراط الى الإسكار وبذلك فهم يشتركون بالعلة). أو بشكل مبسط هو الأخذ بالحكم الشرعي لأمر ما وتطبيقه على أمر أخر يشترك معه بالعلة. هي عملية قياس وتقدير وإعتبار يقوم بها المجتهد بين ما هو موجود من أحكام شرعية لقضايا معينة وتطبيقها على قضايا متشابهة تتشارك معها بالعلة أو السبب الذي حرمت أو حللت هذه القضايا لأجله. استنبطت الدلالة على استخدام القياس كمصدر للتشريع من آيات قرآنية كقوله تعالى "...فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ" [سورة الحشر، الآية 2] وغيرها من الأدلة الشرعية. والإعتبار هو القياس. يجب التنويه أيضا أن القياس له شروط وأسس يستطيع القارئ التعمق بها موجودة في المصادر التي ذكرتها أعلاه أو في أي مصادر شرعية عن علم الأصول الفقهية.  

ومع أنني أخبرتكم أن هذه المصادر الأربعة هي مصادر متفق عليها في التشريع إلا أن البعض يتفق فقط على المصدريين الأوليين (القران الكريم والسنة الثابتة) كمصادر للتشريع ولا يتفق على استخدام الإجماع والقياس كمصادر للتشريع، ولكن هذا ليس ذو أهمية كبيرة هنا. أنا سأقر وإياكم أن القياس والإجماع هما أمرين مهمين في أصول الفقه ولكنني سأنظمهم بطريقة مختلفة بعد سردي للمصادر الغير متفق عليها في التشريع الإسلامي. 

 أما عن المصادر الغير متفق عليها، فتختلف المذاهب والأمة في استخدامها كمصادر للتشريع، فيحث على استخدامها أو استخدام بعضا منها من قبل بعض المذاهب، ولايحث على استخدامها آو بعضا منها من قبل مذاهب أخرى. ولأن وجوب تحليل المثلية هو مستند به بشكل كاف من خلال المصادر المتفق عليها كما سأوضح في بقية العمل، فإنني لن أتعمق بالمصادر الغير متفق عليها وسأنوه اليها هنا من باب الذكر فقط، ألا وهي: الإستحسان، العرف، الاستصحاب، المصلحة المرسلة، سد الذرائع، شرع من قبلنا، قول الصحابة وحتى أن البعض يعتبر الإجتهاد أيضا مصدرا من مصادر التشريع.

مصادر التشريع الأولية ومصادر التشريع الثانوية وعدة الإجتهاد

إذا نظرنا نظرة تمعن في مصادر التشريع الأربعة المتفق عليها أعلاه (القران الكريم، السنة النبوية، الإجماع والقياس)، وفكرنا بعبارة "مصادرالتشريع" وما الذي نعنيه بها، فإننا نلاحظ أن هناك مصدرين للتشريع فقط (القران الكريم والسنة النبوية) وسألقي عليهما لقب المصادر الأولية لأولويتهم بالتشريع، والمصدرين الأخرين (الإجماع والقياس) هم ليسوا مصادرا للتشريع بحد ذاتهم بل وسيلتين لاستنباط الأحكام الشرعية من المصدرين الأولين (القران والسنة) وأحيانا أيضاً من المصادر الغير متفق عليها والتي سأسميها مصادر ثانوية. هذا لأن الإجماع والقياس بحد ذاتهم هم ليسوا مصادرا منفردة للتشريع بل ضوابط وأدوات يقوم بها المجتهد الى استنباط الحكم الشرعي  بقضية ما استدلالا منه على ما ورد في القضية من أدلة في القران والسنة، بينما القران والسنة هم مصادر قد تنفرد بالتشريع في أمر ما باستقلالية تامة. فلا تجد علمائنا مثلا يقولون أن هذا حلال أو حرام أو محبب أو مكروه أو غيره من غير استخدامهم للقران والسنة، فالإجماع والقياس يتطلبان أن يكون هناك قرأنا وسنة لحدوثهم. وبناءا على هذا، فأنا أصنف مصادر التشريع الإسلامي المتفق عليها كمصادر أولية أساسية مستقلة بالتشريع (القران والسنة)، وكمصادر ثانوية لا يمكن أن تخالف المصادر الأولية بل موجودة لتدعيمهما (الإستحسان، العرف، الاستصحاب، المصلحة المرسلة، سد الذرائع، شرع من قبلنا، قول الصحابة)، وسأضع الإجماع والقياس في خانة أخرى ألا وهي خانة الإجتهاد، أنظر الرسم البياني رقم ٥. لا يهم فعلا أين نصنف الإجماع والقياس لأننا نتفق على استخدامهم في عملية التشريع ولكن التنظيم الأتي يتوافق أكثر في ذهني كتصنيف للعلاقة بين دور المجتهد بالوصول الى الأحكام الشرعية وبين المصادر التي يستخدمها للتشريع. هذا التنظيم إذن يعترف بالإجماع والقياس كوسائل للتشريع ولكن لايعتبرهم مصادر تشريع مستقلة بل يعتبرهم أدوات يستخدمها المجتهد في عملية الإجتهاد.




ما مصادر التشريع التي سأستخدمها في دعوتي لوجوب تحليل المثلية الجنسية؟

كحجر الأساس الذي سأبني عليه الأدلة الشرعية في تحليل المثلية، فأنا سأستخدم مصادر التشريع الأولية فقط (القران والسنة الثابتة) لإثبات الحجج والبراهين في الوجوب الشرعي لتحليل المثلية الجنسية. وبعد إقامتي لتلك الحجة، فسأقوم بتوضيح بسيط لكيفية استخدام المجتهد أو المفتي المسلم للقياس كوسيلة لاستنباط الآحكام الشرعية المتعلقة بالمثلية الجنسية في العبادات والمعاملات، ومن ثم سأوضح كيف أن إجماع علماء الأمة الحالي على تحريم المثلية الجنسية هو إجماع باطل وناتج عن جهالة في الموضوع لأنه يخالف إرادة الله في القران وفي سنة نبيه وأن واجبهم في الإجماع هو واجب في التحليل وليس واجب في التحريم. لن أتطرق الى أقوال الصحابة، العرف، سد الذرائع أو غيره من المصادر الثانوية الغير متفق عليها لسببين: السبب الأول والرئيسي هو أن المصادر الأولية الرئيسية لها الأولوية في تحليل أمر ما أو تحريمه ولا يلجأ المجتهد الى غيرها إذا كان ما ورد فيها هو كاف للإستدلال الشرعي بالقضية (لأن ما ورد فيها يَجُبُ كل الأدلة الأخرى الغير متفق عليها)، والسبب الثاني هو أن ما ورد في هذه المصادر الأولية من أدلة لتحليل المثلية الجنسية هي أدلة كافية ومتينة للبيان الشرعي في تحليل المثلية الجنسية ووجوب العمل على إدراك ذلك.

وبهذا فأنا قد وضعت حجر الأساس الثاني الذي سأبرهن من خلاله الأدلة الشرعية في تحليل المثلية الجنسية. 





 قاعدة الأساس الثالثة: المنهج العلمي لاستنباط المعرفة واستخدامه في الدلالة على تحليل المثلية الجنسية

قاعدة الأساس الثالثة والأخيرة التي أراها مهمةً في إقامة الحجة على وجوب التحليل الشرعي لقضية المثلية الجنسية موضوعها هو المنهج العلمي وكيفية وصوله الى الحقائق العلمية. فما هو العلم وما هو البحث العلمي، وما هي الخطوات العملية التي يقوم باتباعها العلماء الى الوصول الى المعرفة (المنهج العلمي)، وما طبيعة الحقائق التي توصلنا اليها تلك العملية وأهميتها في التشريع الإسلامي؟ هذا ما أريد أن أوضحه بتلخيص في هذا الجزئ الأخير من هذه الوحدة الثالثة ختاما للجزء الأول من الكتاب.

لقد استعنت بصفحة إلكترونية إنجليزية وجدتها قيمة لتلخيص بعض المفاهيم العلمية هنا. لقراءة  المزيد عن كيفية استنباط المعرفة العلمية ومنهجية البحث العلمي وخاصة حول ما تحتويه الصفحة من معلومات متعلقة بخطوات المنهج العلمي (Process of Science) فالرابط الإلكتروني لتلك الصفحة هو www.visionlearning.com


ما هو العلم وما هو البحث العلمي؟

عند حديثنا عن العلم فإن مفهومنا له يحتوي على أمرين: الأمرالأول هو مُجسد المعرفة ذاته في هذه الحياة (الحقائق العلمية الموجودة فينا ومن حولنا التي نحاول فهمها)، والأمر الثاني هو الطريقة التي نصل بها الى تلك الحقائق (مبدأ أومنهج السعي لفهم الحقائق).  فهناك الحقائق العلمية ونظمها وقوانينها التي يسير عليها الكون (مجسد المعرفة ذاته والتي يحاول الإنسان فهمه)،وهناك الطريقة التي نتبعها لفهم تلك الحقائق (المنهج العلمي). ينقسم العلم الى أنواع كثيرة  منها علوم طبيعية، وعلوم إجتماعية وسلوكية وعلوم تطبيقية وشكلية وغيرها. ولكن ومع اختلافها الى آنها جميعا تتبع خطوات علمية محددة من أجل قبولها كمعرفة موثوقة يُأخذ بها.
 
أما عن البحث العلمي فهو ما نعنيه بالأسلوب العلمي المنظم الذي يتبعه العلماء لفهم قضية ما، لحل مشكلة ما، لتأكيد أو رفض أمر ما أو للتنبؤ بحدوث أمر ما  أو غير ذلك. أو بشكل مبسط أكثر، هو كل ما يقوم به الباحث العلمي لكي يصل الى شيء معلوم من شيء مجهول. هو أسلوب منظم يتم في خطوات محددة نسميها المنهج العلمي. فما هو المنهج العلمي أو الأسلوب المنظم الذي يتبعه العلماء في البحث العلمي؟

المنهج العلمي لاستنباط المعرفة (المنهجية العلمية؛ Scientific Method) 

المنهج العلمي هو الوسيلة التي يستخدمها العلماء للوصول الى الحقائق العلمية من حولنا وهي عبارة عن مجموعة من الطرق والتقنيات التي يتبعها العالم ويستخدمها لدراسة الظواهر القديمة والحديثة للوصول الى المعرفة. تهدف المنهجية العلمية الى الوصول الى معلومات علمية قليلة الخطأ، قابلة للقياس والتكرار والإستنتاج. يبسط الكثيرين هذه العملية في تطور يسير على منهج خطي من مرحلة الى أخرى  إبتداءً بمراقبة الباحث لظاهرة علمية ما، الى طرح سؤال حولها، الى طرح فرضية منطقية لتفسير ذلك السؤال، الى القيام بتجربة لفحص تلك الفرضية، وانتهاء بملخص يشرح تلك الظاهرة العلمية (أنظرالرسم التوضيحي رقم ٦). هذا بلا  شك لا يوفي المنهج العلمي حقه إذ أنه أمر ليس بتلك البساطة ولا يجب تبخيسه الى ذلك المستوى من البساطة. الحقيقة هي أن منهج البحث العلمي للوصول الى المعرفة هو منهج دينامكي وضخم ويوظف طرقا عديدة لإكتشاف الحقائق والتي تتضمن على التجارب، الوصف، المقارنة والنمذجة ولا يسير دائماً بشكل خطي مبسط. الأتي هو تلخيص شامل مبسط لطبيعة البحث العلمي وعملية استنباط المعرفة.

طبيعة إستنباط المعرفة(كيف يصل العلماء الى المعرفة؟)

الأسئلة والأفكار

قد يسأل أحدنا، ما هي طبيعة الأسئلة والأفكار التي يمكن الإجابة عليها ودراستها من ناحية علمية؟  والإجابة على ذلك هي محصورة في ضمن إطار معين يختلف من زمن الى زمن ومن ثقافة الى ثقافة ومن عالم الى عالم. فهناك جميع الأسئلة التي يمكن دراستها من ناحية علمية ولكن لا يتم دراستها جميعا لأسباب عدة تتضمن على المجتمع الذي نعيش به (ما هي قوانينه وثقافته؟ مثلا، هل يسمح لنا القانون بأن نجرب الأدوية مباشرة على الإنسان قبل تجريبها على الحيوان؟)،على التكنولوجيا المعاصرة (هل هذا أمر ممكن من ناحية تكنولوجية؟ مثلا هل هو ممكن أن نصل الى المجرة المجاورة لمجرتنا للقيام بدراسة ما)،
على الأخلاق المعهودة (هل هذا أمر مقبول؟ مثلا، هل هو أمر مقبول بأن نقوم بالإستنساخ البشري؟)، على مصالح وخلفية العلماء الباحثين (لماذا يدرس الباحث هذه الظاهرة؟ ما مصلحته؟)، على التمويل المادي (هل لدينا الإمكانية المادية لدراسة أمر ما؟) وغير ذلك. هذا بالتالي هو ما يحدد الأسئلة والأفكار التي يتم دراستها من ناحية علمية.

لنفرض أن عالما ما راقب أمرا ما وأراد فهمه بشكل علمي (Observation) وتسمح له كل الظروف بفعل ذلك، مثلا لاحظ هذا العالم أن كثيرا من مثلي يالجنس الذكور ترعرعوا في بيوت خالية من الأباء. فماذا يأتي بعد؟ يقوم هذا العالم بتحديد سؤاله أو الفكرة التي يريد دراستها بشكل محدد، مثلا، هل غياب الأب في مراحل الطفولة الأولى يساعد على ظهور ميول جنسي مثلي عند البلوغ؟ يقوم بعدها العالم بصياغة فرضية علمية منطقية لتفسير ذلك السؤال أو شرحه (Hypothehis). مثلا، غياب الأب في مرحلة الطفولة يؤدي الى ارتفاع إحتمالية أن يمتلك هذا الشخص ميولا جنسيا مثليا حين بلوغه. لابد الى الإشارة هنا أنه لا شك بأن خلفية الباحث وثقافته وفضوله تؤثر بطبيعة السؤال الذي يسأله ويحاول دراسته وهذا بالتالي يؤثر بالمعرفة العلمية ولكن هذا ليس شيء سيء بل يساعد على نمو الأدلة نحو حقيقة ما أو نقضها. فالمعرفة العلمية لا تعتبر معرفة علمية موثوقة حتى تبرهن من علماء عدة من خلفيات وثقافات مختلفة وهذا ما يجعل المنهج العلمي مصدرا يثق به العلماء والسبب الرئيسي في تقدم الإنسانية.

طرق البحث العلمي(Scientific Research Methods)

بعد تحديد السؤال وتكوين الفرضية، يقوم الباحث بتصميم تجربة علمية دقيقة لإمتحان هذه الفرضية ولمعرفة إذا كان غياب الأب هو عاملا مسببا لتلك المثلية عند هؤلاء الأشخاص. التكنولوجيا تلعب دورا كبيرا في تمكيننا من دراسة هذه الأمور وتحليلها. هناك أيضاً طرقا عدة لتصميم هذه الأبحاث أذكر منها طريقة التجارب التطبيقية (Experimentation) والتي تحاول كشف العلاقة بين الأسباب والنتائج عن طريق التحكم  والتلاعب بالمتغيرات المعنية (عوامل المتغيرات المستقلة، التابعة والثابتة التي تمكن الباحث من القيام بتجربة مفيدة)، طريقة الوصف (Description) والتي تحاول أن تجمع المعلومات عن طريق المراقبة للظواهر الطبيعية،  طريقة المقارنة (Comparison) والتي تجمع المعلومات عن طريق المقارنة بين الأشياء المختلفة، وطريقة النمذجة (Modeling) سواء على أرض الواقع أو باستخدام الكمبيوتر والتي ملخصها هو تقليد النظم الطبيعية بشكل يسمح للباحث التحكم والتلاعب بها (لأننا لا يمكننا فعل ذلك على أرض الواقع كالتحكم بالمسارات الفضائية مثلا) وذلك لأجل فهمها وشرحها.  يقوم الباحثون في كثير من الأحيان بتوظيف أكثر من طريقة بحث واحدة  خلال أبحاثهم، فهذه الطرق هي أيضاً متواصلة ببعضها واستخدامها مع غيرها يساعد على فهم القضايا المعقدة بطريقة لا تسمح بها أي طريقة على حداها. 

المعطيات (Data)

كل طرق البحث  العلمي لإستنباط المعرفة (طريقة التجارب التطبيقية، طريقة الوصف، طريقة المقارنة، طريقة النمذجة أو غيره) تدر علينا بمعطيات وأرقام، وهذا ما نشير اليه بعملية جمع المعطيات (Data Collection). ولكن لأجل فهم هذه المعطيات بطريقة مفيدة فلا بد من تحليلها وهذا يتضمن على تفصيلها وإيجاد الأنماط والإتجاهات التي تخبرنا بها وعمل رسوم بيانية لها، وغير ذلك. وللمساعدة بتحليل المعطيات فإن الباحثون يقومون باستخدام علم الإحصائيات لاستنباط النتائج التي نترجمها وتستخدمها في حياتنا العملية ولضبط البحث العلمي ولقياس نسبة الخطأ الحاصل وغير ذلك. هنالك دائماً أخطاء بالأرقام التي نجمعها وهذه الأخطاء هي أخطاء منهجية أو عشوائية (Systematic and Random Errors) تحصل لأن قدراتنا الإنسانية والتقنيات التي نستخدمها هي غير معصومة عن الخطأ.  ولكن تصميم البحث العلمي بطريقة دقيقة يساعد على تخفيض نسبة هذا الخطأ وعلم الإحصاء يساعدنا على أن نكون على ثقة عالية بالنتائج التي نحصل عليها لدرجة دقيقة جداً (High Confidence Level).
  
 تفسير المعطيات ونشر البحوث (Data Interpretation and Publication)
 
الآن لدينا معطيات نستطيع تفسيرها. قد تقدم لنا هذه النتائج أسئلة مهمة أخرى بحاجة الى أجوبة وتضاف الى الأسئلة الأخرى التي قد يتم شرحها بتصميم دراسات أخرى. يعدل هنا أيضا كثيرا من الباحثين فرضياتهم للتتماشى مع المعطيات التي تم تجميعها. فعلى سبيل المثال وبشكل فرضي، يلاحظ العالم من المعطيات التي قام بتجميعها وتحليلها الى أن هناك علاقة ذو أهمية بين الأشخاص المثليين الذين لم يتواجد أب في حياتهم في مرحلة الطفولة وبين المستوى الإجتماعي لعائلاتهم إذ أنهم كانوا أيضاً من عائلات غنية، ولم يكن هناك علاقة ذو أهمية بين المثليين الفقراء وغياب الأب في مرحلة الطفولة.  هذا بالتالي يستدعي الباحث لأن يعدل فرضيته لتشمل في مضمونها على المستوى الإجتماعي كجزء من فرضيته ويقوم بعدها بإجراء دراسات أخرى وتجميع معلومات أكثر حتى يكون واثقا من استنتاجاته. قد تكون نتيجة الباحث مناقضة تماماً لفرضيته وهذا أيضاً جزء مهم من العلم إذ أن التأكيد على صحة أمر ما أو على خطأه هو معرفة بحد ذاته. هكذا هو العلم وفرضياته، في رفض وتنقيح وتعديل وتطوير متواصل.


 ولكن لتصبح هذه المعلومات والمعطيات جزء من المعرفة العلمية التي يستطيع الآخرين استخدامها، إعادة دراستها، نقضها أو غير ذلك فلا بد من نشرها. وهذه هي مرحلة أخرى من عملية البحث العلمي إذ أن الباحثين يقومون بإرسال دراساتهم بكل الذي تحتويه من أسئلة، فرضيات، طرق  تصميم، معطيات واستنتاجات الى مجلات نشر العلم العالمية (Scientific Journals) لكي يوافق أو لا يوافق على نشرها. ولكي تدقق هذه المجلات العلمية الصحة من هذه الأبحاث فإنها تقوم بإرسالها الى عديد من المتخصصين بذلك المجال والذين بدورهم يقومون بنقده والتعليق عليه في عملية تسمى مراجعة الزملاء أو الخبراء (Peer Review).  وبناء على صحة البحث ودقته وأصالته يتم القرار بنشره  أو عدمه. قد تسبب عملية نشر بعض المواضيع جدلا في الوسط العام أو الوسط العلمي، خاصة إذا كان الأمر مخالفا لما هو معهود، كقولنا مثلا أن المثلية الجنسية هي ظاهرة بيولوجية مستندين على ذلك بمقرانة لحجم جزء من النواة في الهايبوثالمس في دماغ المثليين مقارنة مع غيرهم. قد يؤدي هذا الى إعادة البحث العلمي من قبل العلماء للتأكد من النتائج لتثبيته أو عدمه، أو  حتى إعادة شرح الفرضية المطروحة من منظور آخر. وهكذا نبني الكم المعرفي لدينا عن كل أمر يهمنا. فكلما تحسنت تكنولوجيتنا كلما تحسنت قدرتنا على تدقيق المعرفة العلمية والبناء عليها وتطويرها وكلما قدّمنا ثروة جديدة لمفهومنا عن الأشياء. هذا بالتالي يؤدي الى تغير حياتنا للأفضل وتغير قوانيننا ومفاهيمنا لتتساير مع تقدمنا في هذه الحياة، فما أجمل هذا العقل البشري الذي أودعه الله عند الإنسان!

عندما نصل الى نتائج متشابهة من فرضيات مختلفة من جهات  متعددة حول ظاهرة ما, فإنه يصبح بإمكاننا أن نفسر تلك الظاهرة بما نسميه بالنظرية، وهي نموذج يقبله العلماء كشرح لظاهرة معينة لأنه تم تصديقه من قبل فرضيات متعددة واقعة في ضمن ذلك النموذج. فمثلا، إذا أشارت مئات الدراسات الى دور البيئة المحيطية كمسبب للمثلية الجنسية فإنه يصبح لدينا نظرية تشير الى أن البيئة المحيطية تلعب دورا بميول الشخص المثلي . فكلما أشارت الفرضيات الى مسبب معين، كلما زادت ثقتنا بأن ذلك المسبب هو معني بذلك الأمر. النظرية لا تعني الجزم، وتبقى في تغيير وتطوير دائم كلما زادت قدرتنا وتقنياتنا في تطوير المنهج العلمي للوصول الى المعرفة. وكما أن هناك نظرية بيئية لتفسير المثلية الجنسية، فإن هناك أيضاً نظرية بيولوجية في تفسيرها كعامل مسبب للميول الجنسي. فأيهم أقرب للدقة في هذا الوقت وهذا العصر؟ هذا هو موضوعنا في الجزء الثاني من الكتاب.  

ما الفرق بين الفرضيات، النظريات والقوانين (Hypotheses, Theories and Laws)

الفرضية العلمية هي تفسير لظاهرة ما يقوم الباحث بافتراضها حول ظاهرة أو نتيجة بحث علمية يتم مراقبتها. ومع أن الفرضية بطبيعتها هي تخمين يقوم به العالم لتفسير ما يراقبه من معطيات من حوله، الى أنه ليس أي تخمين بل هو تخمين علمي يتبع المنطق ولا بد أن يكون قابلا للإختبار. 

أما النظرية العلمية هي نظرية تبلورت لتفسير ظاهرة واسعة الوجود أُستُدِل عليها عن طريق عدة جهات من الأدلة والفرضيات وعن كم هائل من المعطيات والمراقبة العلمية التي جُمعت عبر فترة طويلة من الزمن وهي نظرية منطقية، قابلة للإختبار والتنبؤ والتوقع. مثالا على ذلك هو النظرية بأن المحيط الذي يعيش به الإنسان في طفولته يؤثر بميوله الجنسي عند الكبر أو نظرية الإنجذاب لنيوتن الذي يصف بها الجاذبية على أنها قوة جذب بين جسمين. النظرية العلمية هي نظرية قابلة للتعديل والتغيير كلما ظهرت أدلة علمية جديدة تستدعي الى ذلك أو عن طريق إعادة النظر في تفسيرنا للمعطيات العلمية الموجودة.

أما عن القوانين العلمية فهي تعبير عن علاقات رياضية أو وصفية موجودة في الطبيعة كقانون الجذب العام لنيوتن (Newton's Law of Universal Gravitation).  الفرق هنا بين النظريات والقوانين هو أن النظريات تشرح الظواهر وتعطي أسباب احتمالية لوجودها بينما القوانين تصف الظاهرة بالغالب بشكل حسابي ولا تحاول تفسير سبب حدوثها. فمثلا قانون نيوتن ينص على أنه توجد قوة تجاذب بين أي جسمين بالكون تتناسب طرديا مع حاصل ضرب كتلتيهما وعكسيا مع مربع المسافة بينهما. قانون نيوتن هنا لا يشرح لماذا هذا صحيح، وانما يصف كيفية عمل الجاذبية فقط.
 
حديثنا عن المثلية الجنسية هو حديث عن النظريات التي تحاول شرحها وسبب حدوثها، ولن نتحدث عن قوانين حسابية هنا. هدفنا هو أن تسترجع ما يقوله لنا العلم عن هذا الموضوع ومقارنة النظريات الموجودة في شرحه والسبب خلف إيماننا بنظريات ورفضنا لأُخَر.

لماذا نؤمن بالعلم
 
نؤمن بالعلم لأن طبيعة العلم وطريقة المنهج العلمي تعطينا القدرة على الوصول الى المعرفة بشكل دقيق، فهي مسؤولة عن وصولنا للفضاء البعيد وعن التطورات الطبية ولفهمنا عن كل شيء من حولنا  في شتى المجالات، فهما علميا دقيقا قابلا للقياس والتنبؤ العلمي والتكرار والتحسين.  كل جزء وتفصيل لدينا من المعرفة العلمية تقريبا هو جزء مبني على جهود كثير من العلماء والباحثين وتم فحصه بالعديد من طرق البحث العلمية وتم تحليله بتفصيل دقيق وقام بنقضه بصرامة المتخصصون بمجاله وتم تكرار الكثير منه للتأكد من صحته. ما ينشر بالمجلات العلمية من بحوث ومعلومات لا يصل الى تلك المرحلة حتى التأكد من مصداقية منهجيته العلمية.  ولكن هذا لا يعني أن كل شيء نشر هو معرفة ثابتة، بل على العكس، هكذا هو العلم يتغير ويصقل كلما تطورت وسائلنا وأساليبنا لفهم العالم من حولنا.

ما أهمية العلم في التشريع الإسلامي؟

لقد كتبت لكم سابقا أن الدين والعلم هما وسيلتين لاستنباط الحقائق أو المعلومات، وأن الدين مركبته هي الإيمان والتشريع الإسلامي وأن العلم مركبته هي العقل والمنطق والبحث العلمي، ولكن كلاهما يؤدي الى نبع المعرفة السماوي ذاته. هذا ليس كلاما فارغا بل هو كلام يتفق عليه علماء الدين الإسلامي إذ أنهم يستخدمون العلم الحديث لأمور عدة. وإذا تمعنا في كيفية استخدام الشريعة الإسلامية الى العلم، فإن علمائنا يقومون باستخدامه لهدفين على الأقل وفيهما تكمن أهمية العلم وسبيله على التشريع الإسلامي (إنظر الرسم البياني رقم ٧). الإستخدام الأول هو لتثبيت ما اجتهدوا عليه في كثير من الأحكام الشرعية ولترسيخٍ منهم للكثير من فتواهم وأحيانا بشكل خاطئ كما نقلت لكم عن كتاب فقه السنة في "أضرار""اللواط". ففي منظورنا الإسلامي، لا بد للعقل (العلم) بأن يتوافق مع الدين ولا وجود لشرع مخالف للفطرة والطبيعة والمنطق، وهذا هو أحد الأسباب مثلا لعدم حثنا على الرهبنة والتنحي عن الممارسات الجنسية حتى لرجال الدين والزاهدين لأن ذلك مخالف لفطرة الإنسان، الأمر الذي شجع عليه ما سبق الإسلام من عقائد سماوية وغيرها. والإستخدام الثاني للعلم هو كوسيلة لتبيين الإعجاز القراني في كثير من الإكتشافات العلمية الحديثة التي نبأ عنها القران منذ مئات من السنين قبل زمن اكتشافها والإيمان بها، وكنا على جهل إنساني وشرعي في إدراكها حقيقة إلا من خلال المنهج العلمي. إذن فإن العلم الحديث هو أمرفي غاية الأهمية في التشريع الإسلامي وأداة اجتهاد وضعها الله لعلمائنا لكي يوفقوا بها بين الشريعة الإسلامية وأزليتها وبين ما تفرضه علينا التطورات العلمية مع تقدم الزمن. العلم يعيننا على تثبيت ما نعيه من حقائق شرعية وأيضاً الى الوصول الى حقائق ربانية أخبرنا الله عنها في محكم تشريعه ولم نتمكن من اكتشافها وتقديرها حقا الا بوساطة العلم الحديث. إن دل هذا على شيء فإنه يدل على الحكمة الإلهية في استوداعنا للعقل البشري وأهمية العلم الحديث للوصول الى الإرادة الربانية.

وكما أن العلم يساعد علمائنا على كشف الثروة القرانية بزمن تدريجي مستمر واستجوابا للتطورات العلمية، فإن العلم أيضاً سيساعد علمائنا على الإيمان بشرعية المثلية الجنسية وتحليلها لأنها أيضاً وجها آخراً من وجوه الإعجاز القراني والذي سأبينه في بقية هذا العمل والذي سيؤدي بالتالي الى التعديل الشرعي في فتواهم في موضوع المثلية الجنسية وتحليلها وتثبيت ذلك بالعلم الحديث ومصداقية المعرفة.


قواعد نتفق عليها في المنهج العلمي لاستنباط المعرفة

هناك عددا من الأمور يتفق عليها المجتمع العلمي في المنهجية العلمية والتي أبني عليها أيضاً قاعدة الأساس الثالثة هذه في السعي نحو التحليل الشرعي للمثلية الجنسية، وسأذكر أهمها لأهداف هذا العمل في النقاط الآتية:

١.  العلم هو سلسة من الإستكشافات لفهم العالم من حولنا من خلال إتباع خطوات المنهج العلمي
٢.  العلماء يستخدمون وسائل أو طرق بحث متعددة لدراسة العالم من حولنا
٣.  المعطيات التي تجمع خلال البحث العلمي لا بد أن تحلل وتفسر لكي تستخدم كأدلة علمية
٤.  النظريات العلمية هي تفسيرات قابلة للإختبار ومدعومة بعدة أبواب من الأدلة
٥.  المعرفة العلمية تتطور بتطور أدلة جديدة ومنظورات جديدة وتكنولوجيا جديدة
٦.  العلم ينتفع بإبداع، فضول، تنوع، وإجتهاد الباحثين والعلماء
٧.  العلم غير معصوم عن الخطأ وهو عرضة للتحيز والخطأء الإنساني
٨.  المجتمع العلمي يشارك بنقاش المعرفة العلمية الجديدة ونتائجها ويشارك بتخفيف الخطأ الحاصل
٩.  الخطأ وعدم اليقين المطلق بحقائق الأمور هو أمر متأصل بطبيعتنا ولكنّ العلماء يسعون جاهدين لتخفيفه وتقدير قيمته بنسبة رقمية محددة
١٠. العلماء يقدرون ويقيمون التعبير الصادق والمفتوح في نقل المعلومات العلمية وعدم الممارغة بأي شيء
١١. العلم يؤثر ويتأثر بالمجتمع والثقافات التي هي موجودة فيه
١٢. العلم هو مهم للفرد والمجتمع

هذه هي النقاط الإثنا عشر بشكل تقريبي التي هي مذكورة بالصفحة الإلكترونية أعلاه عن مبادئ أو مفهوم البحث العلمي. أود أن أضيف عليها أمرا مهما وهو أن مجتمع جمهورالعلماء لا ينظر الى الدوافع التي تجعل عالما أو باحثا ما يخوض بعملية بحث ما، ولايرفض أي بحث علمي دقيق متماشي مع المنهجية العلمية بسبب عرف أي شخص أو دينه أو مبادئه. لو كان ذلك هو الحال لما أخذ أي شيء من علماء المسلمين في الماضي ولما أخذنا أي شيء من الغرب في الحاضر ولكان حالنا في عتمة علمية لا حياة فيها. فالعلم يستفيد من اختلاف دوافعنا وفضولنا وأسبابنا في البحث، ويسمو على كل ذلك بمنهجيته  وهدفه الوحيد في الوصول الى ما هو ممكن من الحقيقة المعرفية.  

وبهذا أحبتي أنا أكون قد وضعت حجارة الأساس الثلاثة الرئيسية لبقية هذا العمل. فمفهومنا عن المثلية الجنسية والدعوة الى تحليلها هو مفهوم محدد، سيتم الدلالة على وجوب تحليله بمصادر شرعية أولية محددة، وسأُدّعمُ ذلك الوجوب في التحليل بأدلة علمية حديثة تبين وجها كان مخفيا للآن من وجوه الإعجاز القراني في هذه القضية. وبهذا فأنا أكون قد أتممت لكم الجزء الأول من الكتاب، وسأبدأ بنشر الجزء الثاني عن العلم الحديث ودلالاته عن المثلية الجنسية.  





جميع حقوق الطبع و النشر والتوزيع محفوظة
Maher Alhaj ©2012.All Rights Reserved

الأحد، 10 فبراير، 2013

 الجزء الأول
الوحدة الثانية

ما العوامل التي أدت الى تعقيد القضية في موضوع المثلية الجنسية؟



حدثتكم للآن عن نشأتي ومعاناتي كمثلي جنسي من وسط عربي مسلم وكان سردي لقصتي سردا هادفا وضروريا؛ فأثار جهلنا في قضية المثلية الجنسية على الأفراد المعنيين في أوساطنا العربية والإسلامية هي آثار وخيمة وضرورة استبيانها هي غاية من الأهميات. ولكن ما هي أسباب ذلك الجهل وتأزمه أو ما العوامل التي أدت الى نشأته واستفحاله؟ هذا ما سأتطرق اليه في هذه الوحدة وكلي أمل بأن أستعرض الموضوع من كل جوانبه وبشكل بسيط ومختصر.  

أخطبوط التطبيع
ختمت الوحدة السابقة بقولي أن ما نحن عليه من جهالة في موضوع المثلية الجنسية، وما نعيه من "وعي" ديني وعلمي وثقافي في أوساطنا العربية والإسلامية، هو ليس وعيا حقيقيا بل من التضليل، وليس من "الطبيعة" بل من "التطبيع". فالتطبيع الذي أعنيه هنا هو مؤامرة في "تطبيع" أمر وجعله يبدو طبيعيا على غير حقيقته. هذا فعلا ما نعانيه في قضيتنا. فالتضليل عن حقيقتنا هو تضليل واضح وغشاوة في الاستدلال، واتهامنا بالإنحلال إنما هو انحلال بذاته، ليس من الطبيعة بل من تطبيعها. إنه من "الطبيعي" أن نحرم المثلية الجنسية، مثلا، وأن ننظر اليها من منظور المرض والفسوق رغما عن كل ما يعتريه ذلك من جهالات وأكاذيب. ومن هنا، فالتآمر على تحريم قضيتنا إذن هو أمر تضليل وتطبيع يقوم على استحياكه و حبكه عدد من المتآمرين.  فمن هم؟  إني أراهم أربعة: العرف واللغة والدين، والعلم. هذه العوامل أيضاً هي عوامل مترابطة ببعضها البعض ويؤثر الواحد منها على الاخر، وهذا أمر أكيد، ولكنني سأستعرضها هنا على تفرد من سبيل التوضيح.


العرف (ماضينا، حاضرنا، عاداتنا، وتقاليدنا):


عُرفاً، فإنا بدأنا تاريخنا الإسلامي بين أناس كانوا على أبشع عادات وتقاليد عرفتها البشرية! ففي عهد جاهليتنا، كان أبائنا وأجدادنا يقتلون بناتهم وبأحقر طريقة سلكها
الإنسان؛ كان يقومون بدفن بعضهن رُضّعا وهن على قيد الحياة. هو عهد وأد للبنات، لا لذنب منهن ولكن لعار من أنوثتهن، فقال تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ؛ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (التكوير٩،٨). فنظرة العرب للجنس الأنثوي كانت نظرة عار وحقد ومذلة؛ نظرة ابتلاء واشمئزاز. فكيف للبنت أن تقتات؟ كيف لها أن تدافع عن نفسها؟وأن تقاتل الأعداء وأن تتباهى بها الأقوام؟ فالإناث ضعيفات في العقل والبنية؛ لا حيلة لهن ولا يأتي من ورائهن غير عناء ومشقة. وإن لم يكن الأبناء مصدرا لجلب الرزق، وقوة للقتال وفخرا للرجولة بين القبائل والأقوام، إذن لماذا وجودهم؟ وأما من لم يقتل من إناثهم فلعل بقائه  كان أيضاً جشعا وتسلطا ذكوريا هادفا للإستغلال الجنسي والخدمة وانجاب المزيد من الذكور. ولكن حتى هذا كان على مضض اذ أن مرحلة حمل الأنثى حتى وضعها كانت تشكل أرقا للرجل من خشية رزقه بعار أنثوي، فقال الله: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ.  يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (سورة النحل٥٩).

فما بالك بقوم كانوا يقتلون بناتهم ظلماً، خشية إملاق أولعار وجهالة بخلفيتهم؟ هم قوم لُقب بالجاهلية لجهلهم بالحقائق ولأنه تحدى الخالق والإنسانية ومقومات بقائها. كان العرب بحاجة ماسة الى معجزة الاهية  سماوية من شأنها أن تغير حالهم تغييرا جذريا وتحررهم من تلك المعتقدات والمعاملات . ولذلك جاء الاسلام ليطهر تلك البلاد العربية من تلك القبائح والمنكرات، وتحديدا لأن يساوي المرأة بالرجل وأن يعطيها حقوقها بالكامل. 

هذا كان ماضينا، فماذا عن الحاضر؟ هل حصلت المرأة فعلا على حقوقها والمساواة؟

مع أن الاسلام جاء ليوفر العدالة بين الرجل والمراء كقاعدة أساسية من قواعده، إلا ان الوضع الذي نحن عليه الى وقتنا الحالي من ظلم للمرأة واغتصاب لحقوقها إنما هو وضع مخز وعار على وجونا كفئات عربية مسلمة صامتة. إنظر من حولك، ما زالت المرأة في كثير من محيطاتنا العربية والإسلامية  في موضع تُعامل فيه كسلعة للبيع والشراء وكقاصرة في العقل والدين وغير متمكنة من العيش إلا في كنف الرجال. إنظر كم من إمرأة تُطّلق في أوساطنا العربية أو يُزوّج عليها، لا لسبب غير أنها لم تنجب الذكور؟ كم من إمرأة تتعرض لضغوطات إجتماعية وإهانات واتهامات مُذلة لها اذا لم يأتيها رجل لخطبتها؟ كم من إمرأة حُرمت التعليم من باب حصر حياتها في مطبخها ولزوجها وبيتها؟  كم من إمرآة يضربها زوجها ويعتدي عليها جنسيا وجسديا فتهرب منه ثم يأمرها القانون أو حتى أهلها بالعودة الى "بيت الطاعة"؟ أي طاعة هذه وأي ظلم هذا؟  إنظر الى مسقط رأس نبينا والمكان الذي أُنزلت فيه الرسالة، حيث أن المرأة لا تستطيع القيام بمعظم ملتزماتها الدنيوية بمفردها حتى الآن، لأن القوانين "الشرعية" لا تسمح لها بذلك، وعليها أن تأخذ الموافقة من "وليّ أمرها" حتى في أبسط أمورها كذهابها للموستوصف أو البقالة. من هو ولي أمرها؟ هو ذكر مسؤول عنها كزوجها أو أخاها، أو حتى صغيرها من الأولاد! أي شريعة هذه وأي قوانين هذه؟ هي قوانين وضعية من قبل الإنسان ليس للإسلام أي ذنب بها.  أقول هذا بكل ثقة لأنها لو كانت قوانين سماوية لكانت عادلة ومماشية للعقل والمنطق والصواب. لو كانت من الله، لم تكن لتتغير بمجرد أمر يصدره الحاكم لأهداف سياسية أو غيرها. أنا طبعا سعيد جداً  بتغيير الأمور للأفضل وبأي طريقة انسانية كانت، من قبل حاكم أو غيره، ولكن نقطتي هي أن كثيرا من القوانين التي تحكمنا والتي تؤدي الى جهالتنا وظلمنا للمرأة وغيرها، إنما هي قوانين وجهالات من صنع الإنسان ومن الاتهامات الخاطئة على الله ونبيه. فماذا طرأ في الدين من جديد لكي يجبر حاكم السعودية مؤخراً، على سبيل المثال، بإعلانه عن السماح للمرأة السعودية بالتصويت في الإنتخابات البرلمانية وفي قيادة السيارات ابتداء من عام ٢٠١٥؟ هذا جيد نسبيا، ولكن ماذا حدث؟ ما الذي حلل للمرأة القيادة والتصويت الآن؟ هل نزل الهام رباني يسمح بذلك لم يكن موجودا من قبل؟ لا، الأمر كان دائما محللا ومسموحا وهو شيء جاء به الإسلام مع فجر تاريخه، ولكنه كان أسيراً لسلطنة ذكورية وعرفا تقليديا لا علاقة له بالدين. فكل الظلم الذي عانته وتعانيه المرأة في أوساطنا العربية والإسلامية للآن، كمنعها من التصويت والسواقة وما شابه، والقدرة على تغييره بمجرد كلمة يصدرها الحاكم متى شاء، إنما هو دلالة على جهلنا في الشريعة الإسلامية وظلم ناتج عن تسلط ذكري مقزز مصدره شريعة الغاب وليس شرعا إسلاميا من السماء.

فما شئن الكثيرين من رجالنا العرب وحبهم للسيطرة على النساء والولاية عليهن وكبتهن في هذا الوقت وهذا الزمن؟ هو نفس الشأن الذي دفعهم لقتل بناتهم في الماضي وبإبداع إجرامي قذر.هو مرض نفسي ناتج عن أكاذيب أقنعوا أنفسهم بها. هي أكاذيب أقنعتهم أنهم على فضيلة من المرأة  وأنهم أفضل منها بنية، جسدا، روحا وعقلا،  الى درجة أدت بهم الى تمجيد أنفسهم واستعباد المرأة  كفئة حيوانية أقل شأنا من "انسايتهم" كذكور. هذا المرض النفسي هو نفسه الذي نُوَرِثُهُ لأولادنا وأحفادنا جيلا من بعد جيل،  هو نفسه الذي يجعل الأخت خدامة لأخيها والزوجة لزوجها والأم لابنها. هي الأكاذيب نفسها التي تكره في أشخاصنا المراة وأنوثتها وما تمثله من ضعف في أذهاننا الى درجة تؤدي بنا الى بذل كل ما هو بمقدورنا لكي لا نقارن أنفسنا "بضعفها" الأنثوي. هذا المرض هو نفسه ما نعنيه "بالرجولة." هي حالة سأسميها "رهاب المساوة الأنثوي" وهو رهاب نفسي يتولد عند الرجل جراء تذكيره بضعفه وبمساواته بالمرأة وربط ذلك بمفهومه للأنوثة والأكاذيب التي بلورها في ذهنه عنها. هو رهاب يؤذي أي شيء يأتي بطريقه، أي شيء يذكره أو يتحداه بتلك الأكاذيب. وبنفس الوقت، فإن قوة المرأة وصلابتها التي هي في صراع أزلي مع الذكور، هي قوة لا تزول ومنبع خوف مستمر لرجالنا العرب. هي قوة تزيد من رهابهم الذكوري النفسي بالمساواة بالمرأة لأنه يذكرهم وباستمرار بضعفهم وكذبهم لأنفسهم، وبمساواتهم بين الجنسين وأنهم ليسو أفضل من الانثى بشيء،  فينكروه ويحاربوه.  تلك القوة الأزلية الأنثوية هي بركان لا يستبيد وذخيرة حق على أهبة الإنفجار.  

قضية الدفاع عن حقوق المرأة العربية والمسلمة هي أمر مهم جدا وأنا أكن كل الإحترام لجميع العاملين في هذا المجال وعلى توفير العدالة والمساواة بين الجنسين في أوساطنا العربية والإسلامية ، ولكنّ قضيتي تختلف. أنا تطرأت الى قضية المرأة لأنها قضية متعلقة بقضية المثلية الجنسية ويجب علي التنويه إليها حتى أوضح نقطتي بأن العرف لعب ويلعب دورا مهما في جهلنا عن المثلية الجنسية. فالخلفية في أذهان عقول رجالنا العرب عن المرأة وما يقنعون به أنفسهم من أكاذيب على أنها اقل منهم شأنا وأنها ضعيفة في العقل والروح والجسد، هو نفسه نفس المحرك وراء بغضهم، ظلمهم وجهلهم في قضية المثلية الجنسية. فبمجرد التفكير بأن الرجل يتساوى مع المراة في ميله الجنسي (كاشتهاء الذكر الجنسي للذكور بنفس الطريقة التي تشتهي بها الإناث الذكور)، أو في تشبهه الخلقي (كالأمرد من الرجال على سبيل المثال الذي يُنادى بعزله فلا مكان له بين الرجال ولا بين النساء، لا لذنب منه غير شكله "الأنثوي" الذي خلقه الله عليه)، أو في أي شيء آخر كالباس وما شابه ذلك، هي فكرة مؤذية لشموخ الرجل وتذكيرا له بحقيقته وضعفه وبرهابه الأنثوي وبمساواته التي يرفضها مع المرأة، وبالأحرى بعدم تفضيله على النساء وبكل الأكاذيب التي يقنع نفسه بها. كيف للرجال التشبه بالنساء من ناحية جنسية، مظهرية، أو غير ذلك؟ كيف للرجل أن يكون أملسا وليس ذو شعر كثيف؟ كيف للرجل أن يكون مفعولا به في حالة الجماع وكيف به أن يتملك دورا جنسيا مذعنا متنحيا؟  كيف للرجل أن يكون لَيِّنا وحنونا وليس صلبا قاسيا؟ كيف للرجل أن يبكي؟ كيف وكيف؟  فالمرأة ضعيفة وعورة والرجل العربي لا يستطيع أبدا أن يكون في موضعها وهذا قبح وذم لعروبيته ورجولته وطعنا في جبروته وإهانة لمكانته ودكتوتاريته في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.  هو تهديد لمكانته وقُوّته ولا بد من محاربته.

التعامل مع المثليين في تاريخنا العربي كان تعاملا لا يقل بشاعة عن قضية وئد البنات التي احترفها بعض آبائنا وأجدادنا العرب في عهد الجاهلية، فمن غير ذكر لأسماء معينة أو حوادث معينة، فقد وردت القصص بحرقهم، وقتلهم، وتعذيبهم. وأما الأن، فعهدنا ما زال جاهليا في هذا الموضوع، وإذا حدث وجاهر أحدنا بقضيته المثلية، فإن مصيره يكون أيضاً أسودا كقتله دفاعا عن "العرض والشرف" أو سجنه أو طرده وعزله وغير ذلك الكثير. فالأسباب التي تؤدي الى أن يكره الاب ابنه أو عزله أو قتله اذا كان مثليا ومشابها للنساء، هي نفسها الأسباب التي كره العرب لأجلها بناتهم، وبالتحديد، هو رهاب المساواة الأنثوي عند الذكور. فالعِرق من عادات وتقاليد هو عرق دساس، ومهما حاول الإسلام الإصلاح في هذا الخطأ الذي يستهويه بعضنا، الا أنهم في عشق ذاتي للظلم والإجرام.

ولكن، كيف تختلف قضية الدفاع عن حقوق المرأة عن قضية الدفاع عن حقوق المثليين الجنسيين في وقتنا الحالي رغما من أنهم يتشاركون في عامل الظلم نفسه في مجتمعاتهم (رهاب المساواة الأنثوي عند الذكور)؟ الإختلاف يبدو واضحا لي؛ بينما أن هنالك إقرار من الأغلبية المتعلمة أن ظلم المرأة في مجتمعاتنا العربية هو ظلم غير عادل وشأنه شأن الجاهلية، لأنه لا يطابق العقل والصواب ولأنه ليس هناك أي مبرر للتفريق بين الذكر والأنثى لإختلاف بيولوجي مكامل بينهم، مما طرح الموضوع لأرض النقاش منذ مدة طويلة، هذا التعاطف نفسه هو تعاطف غير موجود للمثليين الجنسيين لأن هنالك عقبة أخرى أمامهم. إن من السهل أن نبرهن أن الذكر هو على اختلاف بيولوجي طفيف من الأنثى وأن لكلاهما وظائف بيولوجية دورها دور تكامل ومساواة وليس دور تفضيل أحدهم على الآخر، وأن الإنسان الأبيض لا يختلف جذريا عن الأسود، وغير ذلك من كثير من الإختلافات الظاهرة، لأن هذه الاختلافات هي أشياء مرئية للعين ولكنها ليست إختلافات جذرية.  فكلهم بنو آدم ولا حق في ظلمهم لسبب تنوعهم البشري الظاهر ولا في التفريق بينهم لأن ما هم عليه من إختلافات هي ضرورية للحياة ومن صنع وإرادة الله في خلقه. ولكن كيف نقنع الأخرين أن شعورنا المثلي الجنسي الداخلي الغير مرئي، والذي يخالف كل ما تربينا عليه من عادات وتقاليد، هو أيضا مماثلا لتلك الإختلافات البيولوجية بالجنس أو اللون وأيضاً من إرادة الله، وطبيعة في بني آدم، وأنه ليس مرضاً أو ابتلاءً من الله أو غير ذلك من الإتهامات، وبناء على ذلك فهو يستحق المساواة والمعادلة ذاتها التي نطالب بها للآخرين؟  هذا صراعنا في الوجود الذي تحدثت عنه أيضاً في الوحدة السابقة. فالإقرار بوجود الإناث والذكور، والإختلافات الظاهرة الأخرى بين البشر وتنوعهم المرئي، هو ما نفقده في صراعنا كمثليين جنسيين في أوساطنا العربية والإسلامية وهذا العمل يهدف الى تبين ذلك وبعون الله.

فإذا كنا شعبا يظلم المرأة رغما عن الإقرارية بوجودها ورغما عما يحث عليه الدين الإسلامي من عدل ومساواة في حقوقها، لا لسبب غير ترسخ في عادات وتقاليد ورثها وتربى عليها ذكور أمتنا والتي أدت الى استفحال في رهاب المساواة الأنوثية عندهم، فهذا دليل على أنا صراعنا كمثليين سيكون صراعا شرسا وحادا. هذا لأنه سيتطلب منا إثباتا لوجودنا بهوياتنا البيولوجية والدينية وغيرها في معركة حادة من أجل البقاء مع الطرف الآخر الذي يقوده العرف وجاهليته. فالعرف بلا شك هو من أقوى العوامل ترسخا في أذهاننا وكان وما زال سببا في تخلفنا عن فهم قضيتنا، قضية المثلية الجنسية.

ولكننا خلقنا لنبقى، وسنبقى، والله على ذلك شهيد. 


اللغة العربية (مفرداتها ومصطلحاتها حول المثلية والجنس) : 


أما كوسيلة للتفاهم والتواصل ونقل للمعلومات، فإن لساننا العربي ورغما عن جميع مقومات فصاحته وبلاغته وتميزه على غيره من سائر ألسنة النطق واختلافاتها، الا أنه يتلعثم في موضوع المثلية الجنسية ويخذلنا في الحديث عن المواضيع الجنسية بشكل عام. فلغتنا العربية ورغما عن ثراها اللغوي والنحوي، الا أنها تفقد ذلك الثراء عند التحدث عن الجنس وأحواله وكان هذا من العوامل التي خلفت الأمة العربية عن أنظارها من الأمم في فهم قضيتنا فهما علميا، منطقيا، صحيحا ودقيقا. ذلك لأن لغتنا العربية معاملة وتداولا لم تحتوي على مفردات ومصطلحات مناسبة للتحدث عن المواضيع الجنسية بتنوعاتها وتعدداتها، ولعل ذلك لأن الحديث عن هذه المواضيع هو نادر في حدوثه. فالجنس في حضارتنا هو أمر يقتصر الحديث به على قلة من المواقف وهو أمر حساس ومحظور. واللغة تعكس الساحة الثقافية لناطقيها، وهي محصورة على ما هو مسموح لها به في أرض تلك الساحة والواقع. فإذا لم يكن هناك حديث ما  في موضوع ما في لغة ما، فلن يكون هنالك ضرورة لوجود تعابير لغوية تسمح بالحديث عن ذلك الموضوع أو أنه لا يوجد هناك ضرورة لاستخدامها.  ولذلك فهذه المشكلة اللغوية هي ليست مشكلة لغوية لأننا نفقد المفردات والتعابير المناسبة للحديث عن التنوعات الجنسية بين الناس في اللغة العربية فحسب؛ بل إنها على الأغلب مشكلة لغوية لأنها مشكلة ثقافية.

فما هو حال ثقافتنا اللغوية في المواضيع الجنسية في الساحة العربية؟ هو حال مؤسف ومحزن. "فالمثلية الجنسية" كمصطلح عربي مرادف للمصطلح الإنجليزي هوموسيكشيوالتي، هو مصطلح حديث نسبيا ولم يكن متوفرا في الماضي، ولعل للنهضة العربية الحديثة فضلا في ذلك. ولكن ومع هذا فإن الغالبية من شعوب حضارتنا العربية والإسلامية في هذا الوقت هم على إيمان أو إعتقاد أن اللواط هو نفسه ما نعنيه بالمثلية الجنسية، وأن "المثلية الجنسية" انما هي تعبير استحدثه المبتدعين من أمتنا بدعم من الغرب لنشر وتزويق الفتن والمحرمات. ليس كذلك فقط، بل حتى إن كلمة لوطيين لا يحبذ الكثيرين من استخدامها أيضاً لأنها مأخوذة عن اسم سيدنا لوط عليه السلام وقد تسيء به من قذارة الأفعال المنسوبة اليها، فيعوضها الكثيرين بكلمة "سدوميين" وهي استدلالا بقرية سدوم التي عاش فيها القوم الذين بُعث فيهم سيدنا لوط. ذلك القوم كان قوم بؤس وشئم إذ قيل أن فاحشتهم كانت عظيمة ومبتكرة إذ أنهم كانوا أول من قام بها من البشر ولم "يسبقهم" أحد من العالمين. أنا لا أحبذ استخدام كلمة لواط أيضا ولكن لسبب يختلف تماما؛ فهي كلمة تحمل في وطأتها الكثير من الإساءة وليست عادلة أو مساومة للمثلية الجنسية. ولكن كون المثلية الجنسية أمر يختلف جذريا في معناه عن اللواط، (وهذا هو أحد الامور التي سأتطرق اليها في الوحدة القادمة) هو أمر مرفوض للكثيرين ولا يستطيع الأغلبية استيعابه. فما هو شائع في فهمنا ومعكوس في لغتنا هو أن الله خلق الرجل والمرأة وأن كل إمرأة لديها غريزة فطرية لاشتهاء الرجل جنسيا وأن كل رجل لديه غريزة فطرية لاشتهاء المرأة جنسيا. وأن هذا ببساطة هو ما نعيه عن الهوية الجنسية عند الإنسان. وبالنسبة "للأقاويل" بأن هنالك غرائز فطرية جنسية لاشتهاء الرجل للرجال أو لاشتهاء النساء للنساء، فهذه هي أقاويل كاذبة ومرفوضة بل أن الاحتمالية  لوجود تلك الظواهر هو أمر غير مفكر فيه في أغلب الأحيان ولا يخطر في بال الأكثرية منا. هذا لأنه أمر "من المستحيل" وجوده، حدوثه أو التصديق به في فكرنا الثقافي وتعاليمنا العربية والإسلامية ويتنافى مع كل ما نتربى عليه من حقائق ومفاهيم عرفية ودينية وعلمية. أما عن الذكور والإناث الذين يشتهون جنسهم المماثل فإنما هم أناس خارجين عن الفطرة التي خلقهم الله عليها وأنهم شواذ عن الطبيعة وهذا هو اختيارهم ومن صنع أيديهم. وحتى إذا افترضنا  وكانت أقوالهم صحيحة وأنهم بالفعل يملكون تلك الشهوة الغير معتاد عليها، فهذا يعني أنهم مرضى وعليهم بالعلاج. ما هو عليه حالهم هو ابتلاء من الله وله علاج بالتوبة وأنه لأمر بسيط اذا ملكوا النية الصافية والإرادة الصادقة والعزيمة القوية الجسور.   

أما عن فهمنا وحديتنا عن الجنس وبشكل عام، فإنه من المعتاد، ولعله أثر من أثار التطبيع، أن نرى العامة من الناس على جهالة شبه تامة في التعابير الأساسية التي تجعل من فهم الطبيعة الجنسية عند الإنسان أمرا ممكنا. فالتكلم عن الجنس ليس بالأمر الشائع في ثقافاتنا العربية وهو أمر مقتصر على ظروف معينة ومحدودة كالزواج وأمور الطهارة على سبيل المثال. والمواضيع الجنسية هي أمر محظور الحديث عنه في كثير من الأحيان. ولذلك فهذا الحذر في التحدث عن الجنس هو منعكس على جهالتنا فيه وعلى الإمكانية اللغوية بالتحدث عنه. فترانا لا نملك المفاهيم والمصطلحات المناسبة للتحدث عن الجنس. فعلى سبيل المثال، إذا حاولت أن تسأل البعض عما نسمي ظاهرة اشتهاء الرجال للنساء، أو العكس، فسوف تلاحظ أن الجواب ليس سهلا للكثيرين. فترى البعض يرد عليك بأسئلة أخرى: ماذا تعني ماذا تسميهم؟ ألسنا كلنا هكذا؟ هل هذا لغز؟ وما شابه. وإن حصلت على جواب أكثر مباشرة، فلعله يكون كالآتي: نسمي الرجال الذين يشتهون النساء والنساء الذين يشتهون الرجال بأناس طبيعيين، سويين، أو عاديين! فكما نوهت اليه في الفقرات السابقة، هذه المشكلة ليست فقط مشكلة لغوية لعدم وجود مفردات في لغتنا العربية، بل إنها مشكلة لغوية لأنها مشكلة ثقافية. فإذا كانت الحضارة بأجمعها تقر بأن "كل" الرجال يشتهون النساء، وأن "كل" النساء يشتهون الرجال، فالجميع إذن هم كذلك ولا يوجد هناك حاجة لتعريف هذه الظاهرة عن ظواهر أخرى "غير موجودة!" فهو الأمر الطبيعي للبشر والأمر الطبيعي المعروف لا يحتاج الى تعريف. لم أسمع بعبارة "المغايريين الجنسيين" وهي المرادفة في مفهومنا لمصطلح هيتروسكشيوالتي الإنجليزي  حتى السنوات القليلة الأخيرة من نهضتنا. ولكن لتحسين هذه المأساة في ثقافتنا اللغوية، فإن علينا أن نجعل هذه المصطلحات جزءً من حياة الناس اليومية وأن نعرفها تعريفا صحيحا وعلميا. لا بد علينا من تعريف الظواهر التي تصف الأغلبية من الناس كالمغايرة الجنسية، حتى يكون للعامة مرجع لوصف وتعريف من هم لا ينتمون الى تلك الظاهرة ولتلك الأغلبية. فالله خلق عباده في تنوع جميل ونحن لا نستطيع تقديره اذا كنا جاهلين عن وجوده ومعرفته.

المشكلة اللغوية في مفرداتنا هي مشكلة واضحة لأي شخص يحاول التحدث عن المواضيع الجنسية في اللغة العربية بطريقة تتماشى مع العلم الحديث في هذا العصر، وقد يبدوا الأمر مستحيلا في بعض الأحيان! فعند محاولة التفريق بين الظواهرالجنسية المختلفة من ناحية لغوية، سواءً كانت ظواهر حقيقية أم أوهام، فإننا نُوَاجه بضعف لغوي في التعبير. وهذا لان الكلمة المستخدمة لما نعيه عن تلك الظواهر المختلفة، قديما وحديثا، قد تكون كلمة واحدة في كثير من الأحيان. فكلمة "مخنث" على سبيل المثال، هي كلمة تقال لمن نعهدهم باللوطيين، والشاذين جنسيا، وبمثلي الجنس، والمتحولين جنسيا، وبثنائي الجنس، وبالمردان من الذكور، وبضعيفي الشخصية، والمتشبهين بالنساء، وغيرهم. هي كلمة تعكس جهلنا اللغوي ورفضنا الحضاري لأي تنوع خلقي لا يتماشى مع ذلك الجهل العرفي والديني والعلمي. هذا عيب علينا كعرب رزقهم الله بلغة القران المعجزة!

إنه من الأهمية العظمى أن نستعرض فهم وتحليل قضية المثلية الجنسية في اللغة العربية، مقارنة مع غيرها من اللغات الأخرى وأن نحرر أي جهالات لغوية في موضوعها، لأنها لغتنا، لغة القران الكريم وكلام الله الذي أوحى به رسالته على نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه. هي أيضاة اللغة الاساسية المستخدمة في المصادر الأساسية في التشريع الإسلامي. وبما أنها من العوامل التي ساعدت عل تراجعنا في فهم القضية فهما علميا ودينيا دقيقا، ولأنها ضرورية لسائر هذا العمل، فلا بد من التطرق اليها وتعريف كل ما نحتاجه من مفاهيم جنسية أساسية  في قضيتنا باللغة العربية في الجزء العلمي من هذا العمل.

الدين الإسلامي (قرأن وسنة):

أما من ناحية دينية، فما هو مأخوذ به من تحريم للمثلية الجنسية لذو أثار وخيمة على تفكيرنا السيء بظاهرة المثلية الجنسية ولعله العامل الأكثر تأثيرا بمفهوم الناس عنا وضررا بقضيتنا. فإذا كان الله يحرم هذا الفعل ويؤكد على ذلك نبيه المصطفى، فمن نحن حتى نجادل القضية أو نشكك بأمرها؟ 

فما هي الأدلة في تحريم المثلية الجنسية في القران والسنة؟

لعل كتاب "فقه السنة" للسيد سابق، الذي بدأ نشره في أوساط الأربعينيات من القرن الماضي، لهو من أكثر الكتب إنتشارا في العالم الإسلامي، لاشتماله على ما يحتاجه المسلم من زاد وإرشادات في الحياة اليومية. هذا الكتاب كان المصدر الأول والوحيد الذي وجدت فيه شيئا مباشرا من العلم أو الدين في موضوع اللواط. ولأن هذا الكتاب يعكس وبشكل دقيق للمفهوم الإسلامي الذي يتبناه الكثير من المسلمين في هذه القضية، فأنا سأستعرض وإياكم ما ورد حرفيا في هذا الكتاب عن هذا الموضوع في خلال الفقرات القادمة وسيكون ذلك باللون الأحمر وبترتيب يختلف بعض الشيء.

القران: الآتي هو ما مورد في ذلك الكتاب عن عمل قوم لوط وبأدلة القران:

إن جريمة اللواط من أكبر الجرائم ، وهي من الفواحش المفسدة للخلق وللفطرة وللدين والدنيا ، بل وللحياة نفسها ، وقد عاقب الله عليها بأقسى عقوبة . فخسف الارض بقوم لوط ، وأمطر عليهما حجارة من سجيل جزاء فعلتهم القذرة . وجعل ذلك قرآنا يتلى ليكون درسا . قال الله سبحانه : " ولوطا إذ قال لقومه : أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين . إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ، بل أنتم قوم مسرفون . وما كان جواب قومه إلا أن قالوا : أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون . فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين . وأمطرنا عليهم مطرا ، فانظر كيف كان عاقبة المجرمين : " ( 1 ) وقال تعالى : " ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا ، وقال : هذا يوم عصيب . وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات ، قال : يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ، فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ، أليس منكم رجل رشيد ؟ قالوا : لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ، وإنك لتعلم ما نريد . قال : لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ؟ قالوا : يا لوط إنا رسل ربك ، لن يصلوا إليك ، فأسر بأهلك بقطع من الليل ، ولا يلتفت منكم أحد ، إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ، إن موعدهم الصبح ، أليس الصبح بقريب ! ؟ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ، وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود . مسومة عند ربك ، وما هي من الظالمين ببعيد " . ( 1 )

الآتي هي قائمة من الأيات التي قمت بجمعها والبحث فيا عن قصة سيدنا لوط،. هذه إشارة لها فقط وسأتطرأ الى شرحها وتحليلها وغيرها مستعينا بعلماء تفسير القران بالجزء الرابع من هذا العمل:

الأعراف ٨٠-٨٤
هود ٦٩-٨٣؛ ٨٩
  الحجر ٥٧-٧٧
الشعراء ١٦٠-١٧٥
النمل ٥٤-٥٩
العنكبوت٢٦-٣٥
الأنبياء٦٩-٧٤
الصافات ١٣٣-١٣٨
القمر٣٣-٣٩
الذاريات٢٤-٣٧
ص ١٢، ١٣
ق ١٢-١٣
الحج٤٠، ٤٣

السنة: الآتي هو ما قيل في الكتاب عن الأدلة من السنة:

وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل فاعله ولعنه . روى أبو داود، والترمذي، والنسائي ، وابن ماجه ، عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط ، فاقتلوا الفاعل والمفعول به " . ولفظ النسائي : " لعن الله من عمل عمل قوم لوط . لعن الله من عمل عمل قوم لوط . لعن الله من عمل عمل قوم لوط " . قال الشوكاني : " وما أحق مرتكب هذه الجريمة ، ومقارفي هذه الرذيلة الذميمة بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين ، ويعذب تعذيبا يكسر شهوة الفسقة المتمردين . فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين ، أن يصلى من العقوبة بما يكون من الشدة والشناعة مشابها لعقوبتهم ، وقد خسف الله تعالى بهم ، واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم " .

سأتطرق الى هذ الأحاديث وغيرها من ناحية تحليل في المتن والسند والمعنى باستعانة من علماء الحديث في الجزء الثالث من هذا العمل.

وبناءً على هذا فلقد تم تحريم فعل اللواط وبإجماع من العلماء، ولكنهم اختلفوا في طريقة عقوبته الى ثلاث مذاهب. الأتي هو ما ورد في فقه السنة للسيد سابق عن هذا الإختلاف:

ومع إجماع العلماء على حرمة هذه الجريمة ، وعلى وجوب أخذ مقترفيها بالشدة ، إلا أنهم اختلفوا في تقدير العقوبة المقررة لها الى مذاهب ثلاثة : 1 - مذهب القائلين بالقتل مطلقا . 2 - ومذهب القائلين بأن حده حد الزاني : فيجلد البكر ويرجم المحصن . 3 - ومذهب القائلين بالتعزير . ( المذهب الاول ) : يرى أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، والناصر ، والقاسم بن إبراهيم ، والشافعي في قول : أن حده القتل ولو كان بكرا ، سواء كان فاعلا أو مفعولا به . واستدلوا بما يأتي : 1 - عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه " وسلم : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " . رواه الخمسة إلا النسائي . . قال في " النيل " : وأخرجه أيضا الحاكم والبيهقي . وقال الحافظ : رجاله موثوقون إلا أن فيه اختلافا . 2 - وعن علي أنه رجم من عمل هذا العمل . أخرجه البيهقي . قال الشافعي : وبهذا نأخذ برجم من يعمل هذا العمل محصنا كان أو غير محصن . 3 - وعن أبي بكر أنه جمع الناس في حق رجل ينكح كما ينكح النساء . فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فكان من أشدهم يومئذ قولا علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال : " هذا ذنب لم تعص به أمة من الامم ، إلا أمة واحدة ، صنع الله بها ما قد علمتم ، نرى أن نحرقه بالنار " . فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار . أخرجه البيهقي وفي إسناده إرسال . وأفاد الشوكاني بأن هذه الاحاديث تنهض بمجموعها للاحتجاج بها . وهؤلاء اختلفوا في كيفية قتل مرتكب هذا العمل . فروي عن أبي بكر وعلي : أنه يقتل بالسيف ، ثم يحرق ، لعظم المعصية . وذهب عمر وعثمان إلى أنه يلقى عليه حائط . وذهب ابن عباس إلى أنه يلقى من أعلى بناء في البلد . وحكى البغوي عن الشعبي ، والزهري ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، أنه يرجم . وحكي ذلك الترمذي عن مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . وروي عن النخعي أنه لو كان يستقيم أن يرجم الزاني مرتين لرجم من يعمل عمل قوم لوط . وقال المنذري : حرق من يعمل هذا العمل أبو بكر وعلي ، وعبد الله بن الزبير ، وهشام بن عبد الملك . ( المذهب الثاني ) : وذهب سعيد بن المسيب ، وعطاء بن أبي رباح ،والحسن ، وقتادة ، والنخعي ، والثوري ، والاوزاعي ، وأبو طالب ، والامام يحيى ، والشافعي في قول إلى أن حده حد الزاني ، فيجلد البكر ويغرب ، ويرجم المحصن . واستدلوا بما يأتي : 1 - ان هذا الفعل نوع من أنواع الزنا ، لانه إيلاج فرج في فرج ، فيكون اللائط والملوط به داخلين تحت عموم الادلة الواردة في الزاني المحصن والبكر ، ويؤيد هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان " . 2 - انه على فرض عدم شمول الادلة الواردة في عقوبة الزنا لهما ، فهما لاحقان بالزاني بطريق القياس . ( المذهب الثالث ) : وذهب أبو حنيفة ، والمؤيد بالله ، والمرتضى ، والشافعي في قول إلى تعزير مرتكب هذه الفاحشة ، لان الفعل ليس بزنا فلا يأخذ حكمه . وقد رجح الشوكاني مذهب القائلين بالقتل ، وضعف المذهب الاخير لمخالفته للادلة ، وناقش المذهب الثاني فقال : " إن الادلة الواردة بقتل الفاعل والمفعول به مطلقا مخصصة لعموم أدلة الزنا الفارقة بين البكر والثيب على فرض شمولها المرتكب جريمة قوم لوط ، ومبطلة للقياس المذكور على فرض عدم الشمول ، لانه يصير فاسد الاعتبار...

كانت الإستعانة بما تعيه بعض الطوائف من الأديان السماوية الأخرى من جهل في هذه القضية هو أيضاً عاملا مشجعا وداعما لعلمائنا المسلمين بتحريمها. فمصدر كل أديان التوحيد هو مصدر سماوي واحد. الأمر بدى واضحا، إذا كانت الأديان السماوية الأخرى تحرم هذا الأمر، وما ورد في شريعتنا من أيات وأحاديث عنه يشير أيضاً الى تحريمه، فلا بد إذن من وجوب تحريمهه. ولأنه لم يكن هنالك أمر يدعو للتشكيك بالقضية، فلقد تم تحريم الموضوع تحريما كليا وقطعيا. ولكن هل فكر علمائنا وقوادنا أن الإسلام جاء خاتمة لكل هذه الأديان السماوية  ولأن يسترد إرادة الله في خلقه التي ضيعتها الأمم السابقة؟ لا، ليس في موضوع المثلية الجنسية! 

ومن هذا المنطلق واستدلالا سطحيا بما ورد في القران الكريم من أيات عن قوم سيدنا لوط وهلا كهم ومما أوردته السنة النبوية حول هذا الموضوع، واستدلال بالأمم السابقة وحكمهم فيها، فإنه يتوضح للمسلم سبب تشديد التحريم المعروف عن المثلية الجنسية أو كما هي مشهورة في أوساطنا باللواط. ولكن ما قام به علمائنا وفقهائنا من تحريم لهذه القضية بناءً على هذه الاستدلالات كان جهدا سطحيا ولم يكن عملا  دقيقا وساعيا وراء الحقيقة، وهذا مذما لإرادة الله في هذه القضية وظلما لكثير من عباده.  أقولها الأن وسأبرهنها لاحقا وتدريجيا، على علمائنا إعادة النظر في فتواهم الشرعية في مفهوم المثلية الجنسية لأن الأدلة الشرعية بذلك هي الأدلة الصحيحة في هذا الموضوع . فتحليل المثلية الجنسية هو أمر من إرادة الله التي أوجدها في عباده وعلى علمائنا تنفيذه واحترامه.

ولكن حتى ذلك الوقت،  ما هو مأخوذ عن الدين الإسلامي في قضيتنا كان ويبقى عاملا أساسيا  في جهالتنا عن المثلية الجنسية.

العلم (نظرياته، معتقداته)

وأخيرا، دعونا نتحدث عن العلم وما هو مأخوذ عنه في قضية المثلية الجنسية في أوساطنا العربية والإسلامية ودوره كعامل أساسي في جهالتنا عن هذا الموضوع. هنالك مفهوم أساسي في كل تعاليمنا العربية والإسلامية لا بد من تزكيته وهو أن العلم والدين لا بد أن يتوافقا في كل الأمور الحياتية وذلك لأن كلاهما وقائع أزلية تدل على نفس الحقيقة، ومصدرهما هو مصدر سماوي واحد خال من التناقض والتنافر.  لا بد للعلم أن يتوافق مع الدين وللدين بأن يتوافق مع العلم؛ العلم وسيلته العقل وهو في إزدهار مستمر للوصول الى الحقيقة، والدين وسيلته الإيمان وهو أيضاً في نماء وصراع ذاتي مستمر للوصول الى نفس الحقيق. فالعلم والدين هما عماملين مكمّلين لبعضهما. هذا اليقين الضمني الإسلامي كان سببا في جعلنا روادا للآخرين ومنارة للضوء لكل من كان حولنا من حضارات في الماضي ومشعلا تزاحفت نحوه جميع الأمم. ولكن تنازلنا عن ذلك المبدأ الإسلامي الضمني، وتمسكنا بأكاذيب وضعية من صنع الإنسان، كان سببا لسقوطنا من القمة سقوطا شنيعا وخطيئة فادحة وغصة في القلب وحسرة.  

إذا ألقينا نظرة سريعة حول مفهومنا العلمي الحالي حول المثلية الجنسية، فإننا سنلاحظ أن هنالك ثلاثة نظريات قد تبلورت حول فهمنا لهذا الموضوع.

فالنظرية الأولى، هى بلا شك ما هو عليه أغلب عامة الناس في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وبذلك فهي النظرية الأكثر شهرة في أوساطنا. هذه النظرية تؤمن أنه لا يوجد هناك أي شيء اسمه المثلية الجنسية وأن هذا التعبير إنما هو اللواط نفسه وبناءً على ذلك فإنه اختيار قابل للتعديل. هو إختيار مماثل لجميع الإختيارات السيئة الأخرى التي يقررها الإنسان، كالسرقة مثلا. ومماثلة لقضية السرقة، والإيمان بأن الذين يسرقون هم يفعلون ذلك لأنهم من عائلات متفككة، ولعدم تربيتهم الصحيحة أو لفقرهم أو غير ذلك من المبررات الغير مبررة للسرقة، فإن اللواط أيضاً على نفس الحال وأن اللوطين يأتون من عائلات متفككة وانهم يفعلون ذلك الإثم لأنهم على تربية سيئة، أو لأنهم كانوا ضحية لإعتدائات جنسية في صغرهم، أو غير ذلك. هذه الإختيارات إذن وبلا شك هي إختيارات سيئة ولا تبرير لها. 

ولكن الأدهى من ذلك في منظور هذه النظرية هو أن هذه الإختيارات تؤدي الى أمراض بيولوجية "مبرهنة" علميا. فما هو منقول عن كتاب فقه السنة الذي هو منقول عن كتاب الإسلام والطب لهو إنعكاس واضح على هذا المفهوم الخاطئ. أنا سأورده هنا باللون الأحمر من باب التوضيح ولأنه انعكاس واضح لما يؤمن به الكثيرين من أمتنا في هذا الموضوع: 

وإنما شدد الاسلام في عقوبة هذه الجريمة لآثارها السيئة وأضرارها في الفرد والجماعة . وهذه الاضرار نذكرها ملخصة من كتاب : " الاسلام والطب " فيما يلي ( 1 ) :


الرغبة عن المرأة : من شأن اللواطة أن تصرف الرجل عن المرأة ، وقد يبلغ به الامر إلى حد العجز عن مباشرتها ، وبذلك تتعطل أهم وظيفة من وظائف الزواج ، وهي إيجاد النسل . ولو قدر لمثل هذا الرجل أن يتزوج ، فإن زوجته تكون ضحية من الضحايا ، فلا تظفر بالسكن ( 1 ) ، ولا بالمودة ، ولا بالرحمة التي هي دستور الحياة الزوجية ، فتقضي حياتها معذبة معلقة ، لاهي متزوجة ولا مطلقة .

التأثير في الاعصاب : وإن هذه العادة تغزو النفس ، وتؤثر في الاعصاب تأثيرا خاصا ، أحد نتائجه الاصابة بالانعكاس النفس في خلق الفرد ، فيشعر في صميم فؤاده بأنه ما خلق ليكون رجلا ، وينقلب الشعور إلى شذوذ ، به ينعكس شعور اللائط انعكاسا غريبا ، فيشعر بميل إلى بني جنسه ، وتتجه أفكاره الخبيثة إلى أعضائهم التناسلية . ومن هذا تستطيع أن تتبين العلة الحقيقية في إسراف بعض الشبان الساقطين في التزين وتقليدهم النساء في وضع المساحيق المختلفة على وجوههم ، ومحاولتهم الظهور بمظهر الجمال بتحمير أصداغهم ، وتزجيج حواجبهم ، وتثنيهم في مشيتهم ، إلى غيرذلك مما نشاهده جميعا في كل مكان . وتقع عليه أبصارنا في كثير من الاحيان . ولقد أثبتت كتب الطب كثيرا من الوقائع الغريبة التي تتعلق بهذا الشذوذ أضرب صفحا عن ذكرها . ولا يقتصر الامر على إصابة اللائط بالانعكاس النفسي ، بل هنالك ما تسببه هذه الفاحشة من إضعاف القوى النفسية الطبيعية في الشخص كذلك ، وما تحدثه من جعله عرضة للاصابة بأمراض عصبية شاذة وعلل نفسية شائنة ، تفقده لذة الحياة ، وتسلبه صفة الانسانية والرجولة ، فتحيي فيه لوثات وراثية. خاصة ، وتظهر عليه آفات عصبية كامنة تبديها هذه الفاحشة ، وتدعو إلى تسلطها عليه . ومثل هذه الآفات العصبية النفسية : الامراض السادية ، والماسوشية ، والفيتشزم وغيرها .

التأثير على المخ : واللواط بجانب ذلك يسبب اختلالا كبيرا في توازن عقل المرء ، وارتباكا عاما في تفكيره ، وركودا غريبا في تصوراته ، وبلاهة واضحة في عقله ، وضعفا شديدا في إرادته . وإن ذلك ليرجع إلى قلة الافرازات الداخلية التي تفرزها الغدة الدرقية ، والغدد فوق الكلى ، وغيرها مما يتأثر باللواط تأثرا مباشرا ، فيضطرب عملها وتختل وظائفها . وإنك لتجد هنالك علاقة وثيقة بين ( النيورستانيا ) واللواط ، وارتباطا غريبا بينهما ، فيصاب اللائط بالبله والعبط وشرود الفكر وضياع العقل والرشاد . السويداء : واللواط إما أن يكون سببا في ظهور مرض السويداء أو يغدو عاملا قويا على إظهاره وبعثه . ولقد وجد أن هذه الفاحشة وسيلة شديدة التأثير على هذا الداء من حيث مضاعفتها له وزيادة تعقيدها لاعراضه ويرجع ذلك للشذوذ الوظيفي لهذه الفاحشة المنكرة وسوء تأثيرها على أعصاب الجسم .

عدم كفاية اللواط : واللواط علة شاذة ، وطريقة غير كافية لاشباع العاطفة الجنسية وذلك لانها بعيدة الاصل عن الملامسة الطبيعية ، لا تقوم بإرضاء المجموع العصبي ، شديدة الوطأة على الجهاز العضلي ، سيئة التأتير على سائر أجزاء البدن . وإذا نظرنا إلى فسيولوجيا الجماع والوظيفة الطبيعية التي تؤديها الاعضاء التناسلية وقت المباشرة ، ثم قارنا ذلك بما يحدث في اللواط ، وجدنا الفرق بعيدا والبون بين الحالتين شاسعا ، ناهيك بعدم صلاحية الموضع وفقد ملاءمته للوضع الشاذ . ارتخاء عضلات المستقيم وتمزقه : وإنك إذا نظرت إلى اللواط من ناحية أخرى وجدته سببا في تمزق المستقيم وهتك أنسجته وارتخاء عضلاته وسقوط بعض أجزائه ، وفقد السيطرة على المواد البرازية وعدم استطاعة القبض عليها ، ولذلك تجد الفاسقين دائمي التلوث بهذه المواد المتعفنة بحيث تخرج منهم بغير إرادة أو شعور .

علاقة اللواط بالاخلاق : واللواط لوثة أخلاقية ومرض نفسي خطير ، فتجد جميع من يتصفون به سيئي الخلق فاسدي الطباع ، لا يكادون يميزون بين الفضائل والرذائل . ضعيفي الارادة ليس لهم وجدان يؤنبهم ولا ضمير يردعهم ، لا يتحرج أحدهم ، ولا يردعه رادع نفسي ، عن السطو على الاطفال والصغار واستعمال العنف والشدة لاشباع عاطفته الفاسدة والتجرؤ على ارتكاب الجرائم التي نسمع عنها كثيرا ونطالع أخبارها في الجرائد السيارة وفي غيرها ، ونجد تفاصيل حوادثها في المحاكم وفي كتب الطب . اللواط وعلاقته بالصحة العامة : واللواط فوق ما ذكرت يصيب مقترفيه بضيق الصدر ويرزؤهم بخفقان القلب . ويتركهم بحال من الضعف العام يعرضهم للاصابة بشتى الامراض ويجعلهم نهبة لمختلف العلل والاوصاب .

التأثير على أعضاء التناسل : ويضعف اللواط كذلك مراكز الانزال الرئيسية في الجسم ويعمل على القضاء على الحيوية المنوية فيه ، ويؤثر على تركيب مواد المني ثم ينتهي الامر بعد قليل من الزمن بعدم القدرة على إيجاد النسل ، والاصابة بالعقم مما يحكم على اللائطين بالانقراض والزوال . التيفود والدوسنطار يا : ونستطيع أن نقول : إن اللواط يسبب بجانب ذلك العدوى بالحمى التيفودية والدوسنطاريا وغيرهما من الامراض الخبيثة التي تنتقل بطريق التلوث بالمواد البرازية المزودة بمختلف الجراثيم ، المملوءة بشتى أسباب العلل والامراض .

أمراض الزنا : ولا يخفى أن الامراض التي تنتشر بالزنا يمكن أن تنتشر كذلك بطريق اللواط ، وتصيب أصحابه فتفتك بهم فتكا ذريعا ، فتبلي أجسامهم ، وتحصد أرواحهم . مما تقدم نتبين حكمة التشريع الاسلامي في تحريم اللواط ، وتظهر دقة أحكامه في التنكيل بمقترفيه ، والامر بالقضاء عليهم وتخليص العالم من شرورهم .

ما قرأته في اللون الأحمر هو شيء مؤسف لأنه كذب على الحقيقة ولا يمس لها بشيء. فهذه النظرية  الأولى لا تربط المثلية الجنسية وتكوينها بأي عوامل بيولوجية على الإطلاق وتضع كل المسببات لتلك الظاهرة على اختيار الشخص الذي قد يكون ناتجا عن العوامل البيئية المحيطة بحياته منذ ولادته وحتى بلوغه. ولكنها تأخذ خطوة أخري للوراء حيث أنها تتهم المثلية الجنسية بأنها اختيار يؤدي الى تسبيب أمراض بيولوجية ما أنزل الله بها من سلطان. هذه النظرية وبلا شك لا تحمل أي وزن يتطلب الإعتبار من ناحية علمية ولكن هذا الموضوع سيتم شرحه بالتفصيل في الجزء العلمي من هذا العمل. 

النظرية الثانية هي نظرية أقل شعبية بين عامة الناس ولكنها ذو شعبية  أكبر بين بعض المتعلمين من المسلمين وهي نظرية تقر أن العوامل البيولوجية قد تكون مسببا للمثلية الجنسية ولكن إقرار هم هذا هو أيضاً على ضلالة. ففي مثال قد يكو نتيجة للصراع بين العرف واللغة والدين والعلم، هنالك ظاهرة فكرية تدعو الى تغيير الجنس البيولوجي للمثليين، هذا إذا كانوا موجودين حقاً،  وبما أنهم لا يختارون مثليتهم الجنسية، إذن يجب تحويلهم جنسيا لمماثلة بيولوجيتهم الخارجية مع شعورهم البيولوجي الداخلي. فعلى سبيل المثال، يجب تحويل الأعضاء الجنسية عند المثليين الذكور الى أعضاء أنثوية بعملية تحويل الجنس وإعطاء الهرمونات. فالمنطق هنا، أنه اذا كان  المثليين الذكور فعلا يشتهون غيرهم من الذكور جنسيا، وأن المثليات يشتهين غيرهن من الإناث، فهذا لا بد أن يعني أن هؤلاء المثليين من البشر هم خلقوا على الجنس اليولوجي الخاطئ ويجب تحويلهم الى الجنس الأخر لموافقة ما يشعرون به داخليا بالطبيعة. فما أنكره الرئيس الإيراني حديثا نسبيا عن وجود المثليين في بلده وما نسمعه عن عمليات تحويل جنسية للمثليين في إيران وغيرها من الدول وهو نفس التفكير الذي قابلني به الطبيب النفسي في الأردن عندما قمت بزيارته كما حدثتكم في الوحدة الماضية، هو تفكير إطاره مبلور من هذه النظرية. وكأن الشعور الجنسي بين الذكر والذكر أو بين الأنثى والأنثى لا يمكن أبدا أن يكون شعورا فطريا من إرادة الله، ولكن بأن يكون الإنسان مولود على الجنس البيولوجي الخاطئ هو أمر أكثر عقلانية وصوابا ومن إرادة الله؟ ما بالنا؟ أين عقولنا؟

هذا أمر حزين لأن أغلبية المثليين الجنسيين رجالا كانوا أم نساء لا يريدون أن يتحولو الى الجنس الآخر؛ أغلبنا يود البقاء على الجنس البيولوجي الذي خلقه الله عليه. ولكن وجود هذه النظرية واعترافها بالميكانيكية البيولوجية للمثلية الجنسية والتي من المستحيل جهالتها في هذا الوقت من الزمن، حتى لو أنها على ضلالة إذ أنها تنظر اليها من منظور المرض الذي يتطلب التعديل كالخضوع الى عملية جراحية مثلا لتعديل الأعضاء الجنسية، هو خطوة للأمام مقارنة مع النظرية الأولى التي تنسب المثلية الى عملية إختيار بحتة ولا بيولوجية فيها. ولكن يجب عليّ التنويه هنا أن هناك بعضا من الأشخاص الذين هم بحاجة الى تحويل جنسهم من خلال عملية جراحية أو أخذ هرمونات وغيرها (بناء على بيولوجيتهم ومن غير وقوعهم في ضغوطات إجتماعية)، وهم معروفين للبعض بمتحولي الجنس، تلك هي ظاهرة طبيعية أيضا، لا تعتبر بالضرورة مثلية جنسية، ويجب على مجتمعاتنا الإسلامية احترام هؤلاء الأشخاص وتوفير جميع الخدمات الصحية وغيرها لهم، وسأعرف هذا الأمر وأتطرأ اليهه بشكل مختصر لاحقا في الجزء العلمي من هذا العمل.

أما عن النظرية الثالثة، فهي نظرية حديثة جداً مقارنة مع النظريات الأخرى ومنظورها أيضاً هو منظور بيولوجي ولكنها لا تنظر للبيئة المحيطية كمسبب أساسي للمثلية، أو لميكانيكيات بيولوجية قابلة للتعديل (كعملية تحويل الجنس مثلا)، بل تنظر الى الأمر من ناحية إضطرابات بيولوجية لا علاج لها، أو كما يسميه البعض كمستشار الطب النفسي السعودي طارق الحبيب وهومؤسس مركز مطمئنة للعلاج النفسيي والأمين العام المساعد لاتحاد الأطباء النفسيين العرب، بمرض "الإضطرابات النفسية". ماذا يعني الدكتور طارق الحبيب وغيره بالاضطرابات النفسية؟ هي اضطرابات حدثت للشخص خلال عملية تكوينه، لا علاج لها وليس هناك أي شيء يستطيع المرء المبتلى فعله سوا الصبر على هذا البلاء. ولأنها اضطرابات في تكوين الشخص، وكأن الله ما عاذ الله يرتكب الخطأ، فإنه غير مسموح للمبتلى بأن يلحق شهوته المثلية وأن يمارس الجنس. هذه النظرية هي مجهود من القائلين بهذه النظرية لمحاولة الجمع بين الحقيقة بأن المثلية الجنسية هي ظاهرة بيولوجية موجودة في الطبيعة وبين ما تربوا عليه من تعاليم إسلامية خاطئة. فبدلا من تفحص الدين تفحصا دقيقا لإيجاد التوافق بين هذين الأمرين، وهذا ما كان عليهم فعله، هم قرروا بأن يحرفو العلم بدلا من ذلك لموافقة ذلك بمفاهيمهم الدينية الخاطئة. ولكن نظريتهم هذه تفقد الأدلة العلمية الموثوق بها في هذا الموضوع وهي نظرية تدعو للقلق. هذه النظرية تنظر الى المثلية بأنها آمر أسوأ من كل الأمراض اليولوجية كمرض السرطان مثلا لأنه ليس هناك أي علاج لها وعلى "المريض" بها أن يصبر عليها لأنها ابتلاء من الله.

 ولكن، ما هو جيد عن هذه النظرية هو أنها تقر بأن المثلية الجنسة هي ظاهرة لا علاج لها. ولكن، وكما قلت في الفقرة السابقة، بدلا من سلك الطريق الصحيح في شرحهم لذلك وبأنه لا علاج لها لأنها أمر طبيعي وخلق من الله، فهم يقولون بأنه لا علاج لها لأنها ابتلاء من الله واضطراب بالفطرة. هذا لعله شاهد قوي على الصراع العربي الإسلامي بهذه القضية من ناحية عرف، لغة، دين وعلم.  فبدلا من تقبل القضية كما أراد الله لها أن تكون من طبيعة في خلقه، وبدلا من مراجعتهم لما تربوا عليه من عرف ودين لاستبيان الأدلة العلمية الموافقة لما تدل عليه الأبحاث العلمية الحديثة، وبدلا من إيجاد اللغة والتعابير المناسبة للشرح عن هذا الموضوع، فإنهم يقومون بتثبيت ما عهدوه من عرف جاهلي ودين مستلفق وباختراع نظريات علمية لا أساس لها بالصحة وبوصف القضية بلغة عدوانية مرضية وذلك من خلال اختراهم لعبارات لغوية تناقضية لا تمس للحقيقة بشيء.

لماذا كل هذا الإلتواء عن الحقيقة من تسلط ذكري يأبى أن يكون الا على خطأ؟ ولكن لا بد للحق أن يسود. وقبل أن أنهي كلامي في هذه الفقرة، فإن هناك كلمة سريعة أريد توجيهها  لكل طبيب نفسي جاهل بقضية المثلية الجنسية، خاصة أولئك الذين هم في منصب للشهرة وفي مكانة للتأثير في حياة الكثيرين من الأشخاص. إني أرجوكم بأن لا تعطوا نصائح طبية بشيء لستوا على علم صحيح به! ليس العيب في قولكم لا أعلم، ولكن العيب في تؤيلكم للأكاذيب! كفاكم ظلما وجرحا للمثليين الجنسيين وتدميرلهم. كفاكم معصية لله!

وبهذا، فإن هذه النظريات الثلاثة تلخص الوضع العلمي الذي عليه حال الأمة العربية والإسلامية في الوقت الحالي. هي كلها نظريات خاطئة وسأتطرأ الى الحقيقة العلمية المفقودة في مجتمعاتنا في الجزء الثاني من هذا العمل.

إن الحجة التي نسمعها دائماً من شيوخنا وعلمائنا هي الاتي: إن الذي دفع العالم نحو جعل المثلية الجنسية أمر طبيعي من ناحية علمية هو تآمر أجنبي شأنه شأن تضليل عن الحق وتغريب وبدعة. هذا لأنه لم يتم حذف هذه الظاهرة من كتب الأمراض النفسية حتى وقت حديث نسبيا. إن السبب في ذلك لا بد أن يكون مؤامرة علمانية على الحق، وكأن العالم يتأمر على الرجوع الى الوراء! هل فكر علمائنا حقاً باحتمالية أن السبب لحذفها من قائمة الأمراض النفسية هو لأنها حقاً أمر طبيعي واعترافا منهم بالخطأ؟ لماذا نحن نبدع بالتشكيك بغيرنا؟ لماذا لا نعيد مراجعتنا بالموضوع لكي نتقدم للأمام وتلحق بسائر الركب بدلا من اللوم والتشكيك بالغير والإتهامات؟ العالم يتقدم للأمام أعزتي وعلينا أن نتقدم معه. تم حذف تلك الظاهرة لأنه يجب حذفها وأن العلم وسيلته البحث للوصول نحو الحقيقة. تم حذفها لان ذلك هو الأمر الطبيعي وليس العكس. لماذا نطلب من غيرنا التخلي عن الحقيقة بدلا من التمسك بها؟ الأرض كانت مسطحة في أذهان الغالبية من الناس في قديم الزمان ولما أثبت العلم أنها ليست كذلك، تم الرفض بالحقيقة وتعذيب "مبتدعيها"؟  لماذا لا نتعلم من أخطائنا؟  العالم يتقدم للأمام ووسيلته في ذلك العلم، والدين لا بد أن يدعم العلم، فهل من عالم عربي مسلم رشيد؟
   
كلمات أخيرة

وبهذا فأنا أكون أنجزت حديثي عن العوامل الأربعة التي أدت الى تعقيد قضية المثلية الجنسية في أوساطنا العربية والإسلامية، العرف واللغة والدين والعلم. فهذا التطبيع وعوامله الأربعة هو ما أدى الى تفشيش الضباب القاتم الذي هدف ويهدف للتضليل عن الحقيقة في قضيتنا تماماً كما يضبب الأخطبوط من حوله عند شعوره بالخطر. فصراعنا للبقاء هو صراع شرس ومصيري ولكن لا بد للظلم بالزوال. وتماما كما عبرت عنه لكم في اللوحة الفنية في مقدمة هذه الوحدة، فبذرتنا كمثليين جنسيين هي بذرة خير وحلال، ذو جذور متينة وعميقة في الأرض وفي نماء وازدياد في البنيان. ما هي الى فترة وجيزة من الزمن حتى نغادر قعرنا المظلم، في هدف واحد وفي طريق واحد: من قبرنا كالمؤدات من البشر، الى حياة حتمية في العلى والضياء.

ترقبوا إصدار الوحدة الثالثة والأخيرة من الجزء الأول والتي تهدف الى توضيح بعض المفاهيم الضرورية لسائر الأجزاء الأخرى من هذا العمل. التعليق مشكور، واذا أحببت ما قرأت، فانشره مع غيرك لتعم الفائدة واضغط على زر LIKE على صفحتنا في الفيسبوك بالأسفل وشكرا للمتابعة.





جميع حقوق الطبع و النشر والتوزيع محفوظة
Maher Alhaj ©2012.All Rights Reserved 



 
Twitter Facebook